وزير مرمطون

لا تزال مناصب مثل وزير الداخلية ووزير الخارجية ووزير الدفاع مناصب سيادية. لحد وقت قريب كان وزير الإعلام يعامل مثلهم، وفي بعض الأحيان بمرتبة أهم لقربه من الزعيم. اليوم هي وظيفة مرمطون بأيدي الجميع.
الأربعاء 2021/04/28
هل ينقرض الإعلام يوما

قبل أن تنقرض وظيفة وزير الإعلام في عالمنا العربي لا بد من كلمة حق. وزير الإعلام في بلد عربي هو ناقل صورة وليس صانع القضية. قد يكون ناقلا غير مؤتمن على الحقيقة أو مشوّها لها. لكنه أول الأمر وآخره ليس صانع الحدث.

الحكومات هي السيئة والسلطات هي من لا يقوم بواجبه. كيف تجمل إعلاميا، على سبيل المثال، مؤسسة قطارات لا تتوقف عن إنتاج الكوارث؟ كيف تغطي على انتهاكات موصوفة؟ ماذا يفعل التوجيه الإعلامي للوزارة والوزير لمؤسسات إعلامية صارت تقرأ الإنجليزية وتتأكد من بيانات إفلاس الدول أو قروضها من صندوق النقد الدولي؟ كيف تقنع الناس أن الوضع الأمني متين والناس ترى الميليشيات في الشارع وهي تطلق النار؟ بماذا تواجه مؤسسات إعلامية خارجية ممولة نفطيا تنفق مئات الملايين من الدولارات وأنت بحاجة إلى توقيعات 10 موظفين لتأمر بصرف أجرة تاكسي لموظف؟

كانت مهنة الوزير توجيهية وهو الأقرب للرئيس عادة. المؤسسات الإعلامية كانت تعرف ماذا عليها أن تفعل. في أحيان نادرة تمارس الوزارة الرقابة. محرر مشاغب هنا وكاتب متمرد هناك. تقرص آذانهم ويستقيم الأمر. تقرص إذن رئيس التحرير أو الناشر ويستقيم الأمر أكثر. إذا كان الإعلام مؤمّما وحكوميا، فرئيس التحرير موظف دولة تستدعيه وتوبّخه. إذا كان إعلاما أهليا فالناشر صاحب مصلحة يخاف على مصالحه فتستدعيه وتهدده. النتيجة سيان.

الآن كيف تستدعي مليون مواطن ينشرون بوستات على فيسبوك ومئة ألف يغرّدون؟ جرب أن تتحرش بهم وسترى أن وزير الإعلام جندي أعزل في معركة يدب فيها حولك ممن تتورط معهم كالنمل. المشكلة في وزارة البلديات أو الداخلية أو المالية، والضحية في وزارة الإعلام.

دول كثيرة استبقت المشكلة وحلت وزارات الإعلام. مجالس الإعلام عملية ترقيعية ورؤساؤها عادة صحفيون مخضرمون معروفون على أبواب التقاعد أو موظفون رفيعون في الدولة لا يفقهون شيئا في الإعلام. الخياران يجنّبان المواجهة مع الناس، أو مع الصحفيين الذين انتبهوا إلى أن المجتمعات صارت أشجع منهم. طول اللسان مهنة الآن، بالموضوعية أو بالتهريج.

لا تزال مناصب مثل وزير الداخلية ووزير الخارجية ووزير الدفاع مناصب سيادية. لحد وقت قريب كان وزير الإعلام يعامل مثلهم، وفي بعض الأحيان بمرتبة أهم لقربه من الزعيم. اليوم هي وظيفة مرمطون بأيدي الجميع ومنصب لا يريده أحد. حتى توصيف وزير الإعلام السابق صار أشبه بالتهمة.

ستنقرض وظيفة وزارة الإعلام مجتمعيا ومعها تنقرض وظيفة وزير الإعلام. الخوف كل الخوف أن ينقرض الإعلام معهما أيضا، ولا يبقى لدينا إلا التغريدات والتهريجات ومن هب ودب في ساحات الفضائيات.

24