وسائل إعلام عراقية تدخل لعبة الجيوش الإلكترونية

صحافيون ينخرطون في ظاهرة الجيوش الإلكترونية، عبر إدارة صفحات بإخفاء هويتهم أو تضمين صفحاتهم حملات تتناغم مع حملات تشنّها الجيوش الإلكترونية.
السبت 2019/03/02
النساء أيضا هدف للجيوش الإلكترونية

باتت أغلب الأحزاب والشخصيات السياسية في العراق تمتلك جيوشا إلكترونية تديرها في مكاتبها الإعلامية المتخصصة، في ظاهرة تزداد خطورة بسبب تأثيرها على الرأي العام، ونشر الأخبار الكاذبة خطاب الكراهية بين أطياف الشعب، وما يزيد الأمر سوءا انضمام وسائل إعلام وصحافيين إلى هذه الجيوش وتبنّي ما تنشره.

بغداد - في تطور خطير لظاهرة الجيوش الإلكترونية في العراق، انساقت وسائل الإعلام في تغطياتها اليومية إلى الموجة عبر تبنّي ما تنشره هذه الصفحات في المواقع الاجتماعية رغم أنها مفبركة، لتصبح العلاقة متبادلة وكل منهما يستقي مصادره من الآخر، ولا فرق بين وسائل إعلام وجيوش إلكترونية.

ورصد بيت الإعلام العراقي في تقرير جديد له، تنامي هذه الجيوش وازدياد خطورتها لاسيما أن القائمين عليها لم يعودوا يجدون حرجا في كشف خلفياتهم وداعميهم، إذ بدأت تساهم المئات من الصفحات عبر مواقع التواصل الاجتماعي في التأثير على الرأي العام بآراء مغلوطة لا تخلو من الكراهية، ولم تقتصر على الميدان السياسي بل طاولت شخصيات عامة وأفرادا.

ويستند تقرير الرصد الجديد على متابعة ومراقبة أكثر من 200 صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي على مدى ثلاثة أشهر، أظهرت بشكل واضح كيف تدار هذه الصفحات وماذا تستهدف ومتى، وكيف لعبت أدوارا سلبية في السلم والأمن المجتمعيين في البلاد من جهة، وساهمت في إقحام الجمهور في أزمات سياسية من جهة ثانية.

وتعتمد صفحات الجيوش الإلكترونية على عنصرين أساسيين: الأول نشر الأخبار المفبركة وتشمل صورا ومقاطع فيديو وتعليقات متهكمة عبر محترفين وخبراء في الصحافة والمونتاج، والثاني تمويل المنشورات عبر مبالغ طائلة ولأيام طويلة تصل إلى أسبوعين لكل منشور.

واستند تقرير الرصد على صفحات لاحظ مستخدمو مواقع التواصل كثرة انتشارها في الآونة الأخيرة وحصلت على الآلاف من المتابعين خلال أيام قليلة، وتعتمد على إعلانات مموّلة بشكل مكثّف لمنشورات محدّدة، تتضمن خطاب كراهية وتهجّم ودعوات إلى التحقير والتنكيل والعنف ضد شخصيات عامة اجتماعية وثقافية، كما استهدفت حملات واسعة النساء وتدفع نحو تحجيم دور المرأة في المجتمع والحياة العامة.

وخرج تقرير الرصد بنتائج أبرزها أن بعض القائمين على العشرات من الصفحات المموّلة وتقود حملات موجهة تدار من دول مجاورة للعراق، وأخرى أوروبية لديها قوانين صارمة في مكافحة مثل هذه الصفحات المثيرة للعنف، في إشارة إلى الثغرات التي تعاني منها هذه الدول في تطبيق القوانين في هذا الخصوص.

تجنيد جيوش الكترونية
تجنيد جيوش الكترونية

ويلفت إلى أنّ صحافيين انخرطوا في ظاهرة الجيوش الإلكترونية، عبر إدارة صفحات بإخفاء هويتهم أو تضمين صفحاتهم حملات تتناغم مع حملات تشنّها الجيوش الإلكترونية.

وفي ظاهرة غريبة، سجل “بيت الإعلام العراقي” أن المئات من الصفحات الوهمية على فيسبوك تحمل أسماء قنوات تلفزيونية لها صفحات رسمية موثقة بالعلاقة الزرقاء من قبل إدارة فيسبوك، ولكل قناة معدل 10 صفحات وهمية تواظب على نشر ما تنشره الصفحة الرسمية الموثقة أولا بأول، ما يضع هذه القنوات أمام مسؤولية كبيرة، إما أنها تقف وراء إنشاء هذه الصفحات لنشر منشورات معينة ممولة لأغراض سياسية، وإما أن هذه الصفحات أُنشئت دون علم إدارة القناة لأغراض الانتشار والشعبية أو لأهداف سياسية، وفي هذه الحالة لا يعفي إدارة القنوات من القيام بالتبليغ عنها بسهولة لإغلاقها.

ويلفت التقرير إلى أن أغلب الأحزاب والشخصيات السياسية باتت تمتلك جيوشا إلكترونية عبر تأسيس أقسام في مكاتبها الإعلامية متخصصة في هذا الشأن. ولاحظ التقرير أن صراعات هذه الجيوش على مواقع التواصل الاجتماعي هي انعكاس واقعي لخارطة الصراعات السياسية القائمة بين الكتل والأحزاب.

صراعات جيوش مواقع التواصل الاجتماعي انعكاس واقعي لخارطة الصراعات السياسية القائمة بين الكتل والأحزاب العراقية

ويكشف أن صفحات مموّلة تنشر الكثير من الوثائق والصور المفبركة بهدف تخوين واتهام خصومها، كما تتضمن وثائق على أنها لملفات فساد إداري ومالي غير مطروقة في وسائل الإعلام، بينما تقوم صفحات أخرى بمونتاج وثائق لوزارات وهيئات رسمية عبر برامج فوتوشوب لإضفاء نوع من الصدقية على الأخبار.

ويشير التقرير إلى أن صفحات الجيوش الإلكترونية تنشط بشكل مكثّف أوقات الأزمات على الصعيد الوطني مثل التفجيرات وحالات الخطف وزيارة مسؤولين إلى البلاد، ويكون محتوى المنشورات التهجم اللفظي عبر جبهتين أو أكثر تسعى إلى تحميل الطرف الآخر أسباب الأزمة، بينما ساهمت هذه الصفحات في خلق أزمات وهمية لتوجيه الرأي العام بعيدا عن القضايا الحقيقية.

وأضاف التقرير أيضا أن أموالا طائلة تُصرف على المنشورات الممولة التي تحمل خطاب كراهية وأخبارا وصورا مفبركة، إذ راقب “بيت الإعلام العراقي” النطاق الزمني لتمويل منشورات معيّنة وحجم التفاعل معها، ومع حساب فترة تمويل منشورات التي وصل بعضها لأكثر من 15 يوما وإحصاء التفاعلات التي جمعتها هذه المنشورات، فإن تمويل كل منشور يكّلف أكثر من 500 دولار استنادا إلى أجور وآليات الإعلان الموضحة من قبل شركة فيسبوك.

Thumbnail

ويوصي “بيت الإعلام العراقي” في هذا الصدد بإطلاق حملة على الصعيد الوطني وضمن فترة زمنية محددة لتوثيق الصفحات، التابعة إلى المؤسسات الرسمية والوزارات والهيئات والأحزاب والكتل والشخصيات السياسية والدينية والعامة ووسائل الإعلام بشكل رسمي في فيسبوك وتويتر وإنستغرام ويوتيوب، إذ أن توثيق هذه الصفحات يساهم وبسهولة في إغلاق الصفحات الوهمية التي تحمل أسماء هذه الجهات، وبالتالي سيتم مكافحة ظاهرة إنشاء صفحات وهمية.

ولتحقيق ذلك يمكن توفير فريق تطوعي شبابي ممن لديه خبرة تقنية في مجال توثيق الصفحات لمساعدة هذه الجهات على توثيق حساباتها، وبعد انتهاء الفترة الزمنية المحددة لهذه الحملة فإن أي جهة رسمية أو غير رسمية تمتنع عن توثيق حساباتها وإغلاق صفحات تحمل نفس أسمائها، فإنها ستتحمل كامل المسؤولية عن انتشار الجيوش الإلكترونية التي تحمل أسماءها.

وعلى المؤسسات والجهات ذات العلاقة وبالتنسيق مع خبراء تقنيين مراقبة الصفحات الممولة التي تنشر أخبارا كاذبة تحمل خطاب كراهية وتسقيط وتحقير ودعوة إلى العنف، والكشف عن القائمين عليها وتقديمهم إلى القضاء من أجل كبح ظاهرة الجيوش الإلكترونية.

وتابع أن علمية الكشف عن مواقع إنشاء ونشر المنشورات على هذه الصفحات ليست مهمة صعبة، مع التأكيد على أن المنشورات التي تتضمن آراء وانتقادات لأوضاع سياسية وظواهر اجتماعية وأوضاعا خدمية حق أساسي متاح للجميع، ضمن مبدأ حرية التعبير عن الرأي ولا يجوز المساس به تحت أي ذريعة، ما دام لا يتضمن خطاب كراهية وتسقيطا وتحقيرا ودعوة إلى العنف وأخبارا كاذبة.

18