وسائل إعلام عراقية تسقط الضوابط المهنية خلال تغطية الاستفتاء

يتصدر خطاب الكراهية التصريحات واللقاءات التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي في العراق على حد السواء، وتناست الكثير من المنابر الإعلامية الضوابط المهنية والمعايير الصحافية في التعامل مع استفتاء كردستان العراق، وساهمت في تكريس الانقسام السياسي بين أطياف المجتمع.
الخميس 2017/10/12
التصريحات تحتاج إلى تفكير

بغداد – لا تختلف الكثير من وسائل الإعلام التقليدية عن مواقع التواصل الاجتماعي عند طرح المواضيع التي تثير الجدل في المجتمع العراقي، وخاصة السياسية، فما يمكن مشاهدته مثلا في تعليقات فيسبوك المنفلتة، بات يسمع من بعض المحللين السياسيين أو ضيوف البرامج الحوارية في القنوات الفضائية العراقية.

وتصدر خطاب الكراهية واجهة الممارسات الصحافية المنافية للضوابط المهنية والأخلاقية، حيث رصد “بيت الإعلام العراقي” في تقريره الواحد والثلاثين تغطية وسائل إعلام محلية مع تصريحات مسؤولين لم تخل من خطاب كراهية للأزمة السياسية بين بغداد وأربيل على خلفية استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق.

وشملت عينة الرصد تصريحات وردت في قنوات تلفزيونية ووكالات إخبارية وصحف في الفترة من أغسطس 2017 إلى 15 سبتمبر 2017.

وساهمت وسائل إعلام في الترويج لتصريحات قوى وأحزاب وشخصيات سياسية تضمنت تبادل الاتهامات ومواقف متشنجة، منذ إعلان السلطات في إقليم كردستان نيتها إجراء استفتاء على استقلال الإقليم، دون مراعاة وسائل الإعلام للجانب المهني.

واستند راصدو “بيت الإعلام” على أرشيف المواقع الإلكترونية والوكالات الإخبارية والفضائيات والصحف لعينة الرصد، برغم بعض الصعوبات في ذلك بسبب مشاكل الأرشفة الإلكترونية، كما تمت الاستعانة بمقاطع فيديو نشرت على موقع “يوتيوب” وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي، بحسب التقرير.

اعتبار المقالات آراء تعبر عن أصحابها لا يعفي وسائل الإعلام التي نشرتها من تحمل مسؤوليتها المهنية والقانونية

ويعد تقرير الرصد الجديد مثالا جديدا حول خطاب الكراهية المتداول في الإعلام العراقي حول قضية سياسية، بعدما أصدر “بيت الإعلام” تقريره الضخم “قاموس الكراهية”، تناول مفردات ومصطلحات كراهية باتت متداولة على نحو خطير لتصبح جزءا من الثقافة الشعبية في الحوارات والنقاشات حول قضايا سياسية وأمنية واجتماعية.

وتوصل الرصد إلى جملة من الممارسات طغت على التغطية الصحافية، ومن ضمنها: جهوية تغطية بعض وسائل الإعلام للاستفتاء والأزمة السياسية التي رافقتها بين بغداد وأربيل، إذ ركزت على مواقف أحادية عبر استخدام نواب وسياسيين من أحد أطراف الأزمة الكردية والعربية في تغطية الأزمة دون وجود ممثلين عن الطرف الآخر، ما أفرز تغطية إعلامية منحازة مستندة على معايير سياسية لا مهنية.

واستندت وسائل إعلام، خصوصا قنوات تلفزيونية على تصريحات سياسيين ونواب ومسؤولين عراقيين تضمنت خطاب وعبارات كراهية وتهديدات مباشرة وغير مباشرة وشخصنة للأزمة، مثلا “مؤامرة”، و”استهتار”، و”تمرد”، و”بلطجة” و”استفتاء بارزاني”، و”الاستفتاء سيكون يوم سقوط دكتاتور أربيل”، و”القزم”، و”الاستفتاء نوع جديد من الإرهاب”، ولوحظ انغماس أكاديميين وخبراء ومحللين وقانونيين في ذلك من المفترض أن يكونوا غير معنيين بالمواقف الجهوية ذات الطابع السياسي، وهي الظاهرة التي سبق أن حذر منها “بيت الإعلام” في تقريره السابق.

وقال التقرير إن هناك وسائل إعلام حافظت على “حد مقبول” في تغطية مهنية، وتناولت الأزمة عبر مواقف ممثلين عن أطراف الأزمة وحاولت التركيز على النقاط القانونية والإدارية بدلا من الآراء المتشنجة، عبر نشرات إخبارية وبرامج حوارية ساهم معدوها في الحؤول دون تصاعد التصريحات المتشنجة بين ضيوف البرامج والنشرات الإخبارية.

واستغلت وسائل إعلام الأزمة السياسية لاستهداف قوى وأحزاب وشخصيات سياسية محلية، عبر تقارير تحليلية وتصريحات خاصة استندت على شخصيات بارزة دينيا واجتماعيا وسياسيا، وظهرت روايات واتهامات تداولتها وسائل إعلام نقلا عن مصادر غير صريحة أو مسؤولين بشأن الاستفتاء لا تستند على قرائن ووثائق.

ضرورة إيلاء وسائل الإعلام الجانب المهني أولوية قصوى في تغطية الأزمات الكبيرة، خصوصا تلك المتعلقة بمصير أفراد وجماعات ومؤسسات وفئات اجتماعية

وسمحت وسائل إعلام لمسؤولين بالتعبير عن تصريحات ومواقف تضمنت اتهامات صريحة بقضايا محددة من دون إسنادها بأدلة ووقائع، ووصلت هذه التصريحات إلى مواقع التواصل الاجتماعي وانخرط العراقيون في سجالات حادة حولها وصلت إلى تبادل التهديدات والشتائم، في مؤشر على تعريض السلم والأمن المجتمعيين للانقسام.

واستعانت وسائل إعلام بأخبار ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي مجهولة المصدر، مثلا شائعات عن تهديد المقيمين العرب في إقليم كردستان وبالعكس تهديد المواطنين الأكراد في بغداد والمحافظات الجنوبية، إضافة إلى نشر صور على أنها لقوات عسكرية انطلقت من بغداد نحو إقليم كردستان لمنع الاستفتاء، وأيضا لقوات من البيشمركة تتجه نحو كركوك لكن تبين أن الصور قديمة وتعود إلى سنوات سابقة، ولم تتردد وسائل إعلام في نشر مثل هذه الأخبار دون التحقق من صحتها، فاضطرّ مسؤولون إلى الخوض في هذه الأخبار عبر نفيها وتفنيد الشائعات، أو بناء مواقف عليها أثارت جدلا بين العراقيين.

وسمحت وسائل إعلام بنشر مقالات رأي على مواقعها الإلكترونية والصحف تضمنت خطاب كراهية لم يخل من شتائم وتهديدات واتهامات، ما ساهم في انتشار هذه المقالات ووصولها إلى الجمهور وأفرزت سجالات حادة بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وسجل “بيت الإعلام” هنا بأن اعتبار هذه المقالات آراء تعبر عن أصحابها لا يعفي وسائل الإعلام التي نشرتها على منافذها الإعلامية المقروءة والمرئية من تحمل مسؤوليتها المهنية والقانونية اتجاه هذه المقالات وكتّابها.

وأمام هذه الممارسات، أكد “بيت الإعلام العراقي” على ضرورة إيلاء وسائل الإعلام الجانب المهني أولوية قصوى في تغطية الأزمات الكبيرة، خصوصا تلك المتعلقة بمصير أفراد وجماعات ومؤسسات وفئات اجتماعية عبر الحصول على مصادر المعلومات من الجهات والساسة والمحليين المعنيين والأخذ بالمواقف والآراء والمعلومات دون السماح باستخدام لغة كراهية وتهديدات، كما يجب تجنب الحصول على تصريحات تدل على أن قائلها بعيد عن الاختصاص تسهم في تفاقم الأزمة وتعميق الشرخ الاجتماعي.

وأضاف أن على الصحافي والإعلامي المكلف بتغطية الأزمات توفير قاعدة بيانات واسعة تشمل المواقف الرسمية وغير الرسمية التي سبقت الأزمة وخلالها والتأكد من صحتها على المواقع الإلكترونية الرسمية ومن ثم مقارنتها بالمواقف الحالية، ومطالبة المسؤولين الذين تتضمن تصريحاتهم اتهامات بأدلة مشفوعة لإخلاء مسؤولية الجهات الإعلامية عن الإفراط بالشق المهني، والحؤول دون انتشار التصريحات المتشنجة.

18