وسائل إعلام عراقية تقتات على الأزمات بين المركز والإقليم

يعترف الصحافيون العراقيون بغياب التغطية الموضوعية من قبل غالبية وسائل الإعلام في بغداد وأربيل، والتي تحكمها الاعتبارات الحزبية والسياسية، فلا يمكن الحديث عن إعلام مهني مستقل بإمكانه أن يلعب دور ناقل الحقيقة، رغم محاولات البعض نقل الرأي والرأي الآخر كي يثبت موضوعيته.
الخميس 2016/09/29
الإعلام الأكثر تأثيرا في مجرى الأحداث هو الذي تهيمن عليه السلطة

بغداد – تمتزج السياسة بالإعلام في العراق إلى درجة يصعب معها التكهن بالحدود الفاصلة بين الطرفين، فالعلاقة بينهما محكومة بالمصالح وطبيعة الظروف وتحزب الإعلاميين أنفسهم، وهو ما شكل انعكاسا بالغ السلبية على الروابط بين المدن في بلد ترهقه الحسابات الطائفية والعرقية والمذهبية.

وخلال العقد الأخير تناولت وسائل الإعلام العراقية الخلافات بين بغداد وأربيل كمواد دسمة مثيرة للجمهور، وساهمت التغطيات الإعلامية في تكريس الخلافات من جهة وإثارة الكراهية بين العرب والأكراد من جهة ثانية؛ حيث ابتعد الإعلام عن التفاصيل المهنية، وركز على تلاقف الأزمات لتبني مواقف سياسية لا التغطية الصحافية، وهو ما أشار إليه باسل الخطيب في تقرير لبيت الإعلام العراقي.

ويعتبر الصحافيون العراقيون أن المشكلة تكمن في أن هناك وسائل إعلام تتخذ من مرجعياتها السياسية والقوية موقفا في الأزمة مع غياب الحد الأدنى من عناصر المهنية.

ويقول الكاتب والإعلامي زيد الحلي إن “الإعلام نشاط إنساني يقوم على فكرة الإقناع عن طريق المعلومات والحقائق والإحصاءات والأرقام لا عن طريق تبني المواقف السياسية". ودعا الحلي الإعلام العربي والكردي إلى التوازن في الخطاب الإعلامي، “لأن الخطابات الأخرى محكومة بالفشل".

وأضاف أن “الإعلام لكونه ثورة رابعة ومرتبطة بالتطورات العلمية والتكنولوجية (ودور ذلك) في توسيع الآفاق وبناء العواطف وشد الجمهور، فإن أي تدفق إعلامي صادق سيجعل من الناس قادرين على فعل الكثير، ويمكن أن تلعب هذه الوسائل دورا توعويا وتربويا مهما في خلق الوعي بالأزمات من خلال الإخبار والشرح والتفسير، بعيدا عن الميل إلى تغطيتها بطريقة درامية إثارية يغلب عليها التسطيح وتغييب وعي الأفراد".

ويشير صحافيون إلى غياب إعلام مستقل يمكن أن يطرح رؤى موضوعية واقعية خلال الأزمات السياسية، بل على العكس، تحول إلى إعلام مسلوب الإرادة يخضع للمزاج السياسي.

زيد الحلي: أي تدفق إعلامي صادق سيجعل من الناس قادرين على فعل الكثير

ويرى الكاتب والصحافي حمزة مصطفى أن “العلاقة بين بغداد وأربيل ملتبسة إلى حد كبير لأسباب تداخلت فيها عوامل كثيرة، وفي كل المراحل والسياقات التي حكمتها، كان الإعلام لدى الطرفين انعكاسا للوئام السياسي في حال كان هناك وئام، أو للخلاف السياسي في حال حصل خلاف".

ويضيف مصطفى أن “الإعلام سواء في بغداد أم أربيل كان ولا يزال يمثل الأحزاب والقوى والمكونات، وبالتالي لا نستطيع الحديث عن إعلام مهني مستقل يمكنه لعب دور ناقل الحقيقة كما هي، لكن يمكن الحديث، وإن كان بشكل نسبي، عن إعلام ينقل الرأي والرأي الآخر كي يثبت موضوعيته".

وأكد أن الإعلام الأكثر تأثيرا في مجرى الأحداث هو الذي تهيمن عليه السلطتان الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، وبشكل عام فإن الإعلام لم يكن على صعيد العلاقة بين بغداد وأربيل سوى صدى لمرجعياته السياسية ولم ينطبق عليه حتى القول المأثور (ناقل الكفر ليس بكافر)، فهو إعلام مسلوب الإرادة ومرتهن بما يتقرر في عاصمتي المركز بغداد أو الإقليم أربيل".

ويلاحظ المتابعون أن أغلب وسائل الإعلام العراقية الناطقة بالعربية التي ذهبت إلى كردستان العراق هي وسائل إعلام لا تتبع أحزابا بعينها، وإنما هي وسائل إعلام إما مملوكة لجهات مستقلة أو لتجار وإما محسوبة على تيارات معارضة للحكومة العراقية، في وقت مازالت فيه العديد من وسائل الإعلام العراقية التابعة لأحزاب السلطة موجودة في بغداد، كونها قد تجد صعوبة في تقبل طروحاتها من قبل الإقليم الكردي.

ويرى الباحث والكاتب الكردي فريد اسسرد أن "من الصعب الوقوف على رأي موحد لوسائل الإعلام بشأن العلاقة بين المركز والإقليم، لكثرتها وتعدد منطلقاتها الفكرية، لكن الإعلام العراقي (العربي)، هو انعكاس لرأي الجهات السياسية التي يعبر عنها، فإذا كانت تربط تلك الجهاتَ أو الأحزابَ علاقةٌ حسنة بنظيرتها الكردستانية، فإن تناول وسائل الإعلام التابعة لها سيكون أكثر إيجابية من تلك التي لمرجعياتها خلافات واضحة مع الفعاليات السياسية الكردستانية". ويضيف أن الإعلام العراقي يفتقر إلى رؤية واضحة بشأن العلاقة بين المركز والإقليم، ما تسبب في التباس الأمور على الجمهور.

ويعاني الإعلام الكردستاني أيضا من المشكلة ذاتها، فمثلما حدث نوع من القطيعة بين المركز والإقليم، خلال السنوات الأخيرة، كانت هنالك قطيعة إعلامية بينهما؛ ففي السنوات الثلاث السابقة كان هنالك عدد قليل من المراسلين العراقيين في إقليم كردستان وفي المقابل نادراً ما نرى مراسلين أكرادا في بغداد وباقي المحافظات، لتغطية الأحداث فيها لصالح الصحف والقنوات الفضائية أو الإذاعات الكردية، وفقا لاسسرد.

ويقر بأن البعض من وسائل الإعلام العربية المحلية والكردستانية، تحاول توسيع الفجوة بين المركز والإقليم من خلال صب الزيت على نيران هذه الفجوة.

ويتحدث آسوس هردي مدير مؤسسة ئاوينة للصحافة والنشر عن الإعلام المستقل في الإقليم، ويعتبر أنه يشكل أقلية، فيما غالبيته ناطقة باللغة الكردية لذلك حتى إن كان خطابه السياسي مختلفاً وأكثر انفتاحاً تجاه العلاقة مع المركز، فإن عائق اللغة يشكل حاجزا كبيرا”. ويضيف أن إطلاق مؤسسة NRT أخيرا فضائية ناطقة باللغة العربية يشكل أهمية بالغة وانطلاقة جيدة في هذا المجال.

ويلفت هردي إلى أن "الإعلام المستقل في إقليم كردستان يتبنى خطاباً منفتحاً يدعو إلى قبول الآخر ويهدف إلى إقامة نظام ديمقراطي حقيقي في كردستان والعراق بعيداً عن الحساسيات الحزبية والسياسية الموجودة لدى القيادات الحزبية الحالية" على حد تعبيره.

18