وسائل الإعلام التونسية تفضل تكذيب صحافي على تكذيب مسؤول

العزل الإعلامي الذي فرض على الصحافي مقابل فتح القنوات كلها لعضو هيئة الانتخابات يثير شكوكا حول قضية احتمال إجراء انتخابات مبكرة.
الثلاثاء 2019/12/10
عدسات الحقيقة

عنوان الخبر “عضو بهيئة الانتخابات في تونس: البرلمان أعلمنا بأن نبقى مستعدين لإمكانية انتخابات مبكرة”. هو عنوان خبر نشرته وكالة الأنباء الألمانية استقاه مراسلها في تونس، طارق القيزاني، من حديث مع عضو الهيئة حسناء بن سليمان. “احتمال انتخابات تشريعية مبكرة ليس في أذهاننا فقط، بل إن مجلس النواب قال لنا كونوا على استعداد لذلك” هو كلام العضو نفسه الذي أخذ منه الصحافي عنوانه. كلام مسجل واضح نشره الصحافي على صفحته.

ونشر القيزاني مضطرّا، على صفحته على فيسبوك، كلام عضو هيئة الانتخابات صوتا لأنه بعد نحو ساعتين من نشر الوكالة للخبر مساء الخامس من ديسمبر، أمطره أصدقاؤه وزملاؤه مكالمات، بعضهم مستفسرا وبعضهم لائما. لأن عددا من الصحافيين في وسائل الإعلام التونسية كذبوا خبره بناء على ما قالته لهم حسناء بن سليمان التي نفت ما جاء في وكالة الأنباء الألمانية. تنفي ماذا؟ وهل هناك مجال للنفي؟

ومن بين القنوات التي اتصلت بعضو هيئة الانتخابات ذلك اليوم قناة “التاسعة”. سألت عضو الهيئة عن الخبر فردت “لا أعلم ما الذي يفعله الصحافيون بالعناوين”. كان تكذيب ما لا يُكذّب برائحة الاتهام بالتشويه. نفت أنها قالت ما جاء في العنوان وذكرت أن “الحديث عن انتخابات سابقة لأوانها مطروح منذ الإعلان عن النتائج النهائية لأي انتخابات”. شكرتها الصحافية على “التوضيح” وكأنها قطعت الشك “باليقين”.

لا نعلم السبب الذي جعل السيدة بن سليمان تنكر ما صرحت به لصحافي الوكالة الألمانية، وهو مسجل منشور، غير أن في بلاتوه التاسعة معلقين مع الصحافية هما برهان بسيس والحبيب بوعجيلة وكان المنطق يقتضي من ثلاثتهم أن يسألوا عمّا يمكن أن يفسر “كذب” صحافي الوكالة الألمانية. لم يجل في خاطر أحد منهم أنّ ما دعا إلى الشك في خبر الصحافي يدعو ضرورة إلى الشك في كلام عضو هيئة الانتخابات.

وإذا غُفر لهؤلاء سهْوُهم، بسبب ضيق الوقت، فلا شيء يبرر أن يصبح عدد من المعلقين في الإذاعات مهللين لنفي بن سليمان صادحين بشعارات من قبيل “آفة الأخبار رواتها” متبحرين في دروس الصحافة يمنون بها على الآفات من الرواة. هل نسي أولئك الذين يغدقون على الناس من علمهم أن أبسط دروس الصحافة هو التحري؟ هل تحروا في ما قالته السيدة بن سليمان وفي ما نشره طارق القيزاني؟ لا أحد فعل.

لا أحد اتصل بالقيزاني ليسأله عن الأمر إلى ساعة كتابة هذا المقال. تحدث في إذاعة شمس بطلب منه لما كان المعلقون في البلاتوه يرددون النفي فأنصتوا إليه وأوفوه حقه. لكن ماذا عن الآخرين؟ كيف يمكن الاكتفاء بالمصدر الذي كَذّب دون سؤال الصحافي الذي كُذّب؟ ولا يمكن التعلل بالنسيان أو بغياب البديهة لأن هناك من سأل رئيس هيئة الانتخابات نبيل بفون الذي أجاب بالعبارة الممجوجة “الكلام أخرج من سياقه”. وآخرون نشروا بلاغ المكلّف بالإعلام في مجلس النواب الذي نفى “أن يكون البرلمان قد توجه بطلب إلى الهيئة للاستعداد لإجراء انتخابات مبكرة”. وكذلك فعلت وكالة الأنباء التونسية التي اكتفت بنشر تكذيب عضو الهيئة مستهلة خبرها بالقول “أوضحت السيدة حسناء بن سليمان…”، جاعلة من كلامها أمرا واضحا مما يعني تصديقا لمن كذّب وتكذيبا لمن نشر ولم يكذب.

ويدل ذلك كله، علاوة على إهمال مبدأ أساسي في العمل الصحافي يقضي بسماع الطرفين، على أن عددا من الصحافيين ومن المؤسسات الإعلامية استبطنوا علوية مصداقية ما اصطلح على تسميته عقودا “بالمصادر الرسمية” على حساب المصادر الأخرى. نفَى التصريحَ صاحبُه، وهو عضو هيئة دستورية، فقُضي الأمر خاصة أن رئيس تلك الهيئة “أوضح” أن الكلام أخرج من سياقه.

ربما كان على القيزاني أن يدقق في الأمر أكثر ليغلق “السياق” حتى لا يُخرَج منه أمر. ربما كان عليه أن يسأل بن سليمان عن الطريقة التي تلقت بها الهيئة طلب المجلس للاستعداد للانتخابات المبكرة، هل كان بمراسلة أم بمهاتفة أم في لقاء مباشر، وعن المبلّغ وعن تاريخ الإبلاغ وهي أمور كانت توصد الباب أمام الإنكار وتسيّج السياق حتى لا يُخرِج منه أحد شيئا ولا يدخله أحد “للإخراج”.

غير أننا ننسى أن الصحافي تصرف بمنطق سليم آخذا في الاعتبار أنه يتحدث مع عضو هيئة دستورية تتكلم باسم الدولة وهي هيئة مؤتمنة على أصوات المواطنين تحصيها في الانتخابات وتبوبها وتنشرها في الجريدة الرسمية لتلد مؤسسات حاكمة. غير أن الصحافي افترض محقا أن الذي يؤمَّن على أصوات المواطنين أمين على صوته وعلى صوت صحافي يبلغ المواطنين كلام الأمين على أصواتهم.

ونسينا أن هناك، قبل الشك في كلام الصحافي وبعده، مؤسسة إعلامية مصنفة الرابعة دوليا اسمها وكالة الأنباء الألمانية تعمل بمعايير صارمة في جمع البيانات وانتقائها وتبويبها وصياغتها ونشرها تحت مسؤولية رئيس تحرير يأذن بالنشر بعد أن يكون قد محص ودقق وتثبت وسأل. ولا يعني ذلك أن تلك الوكالات معصومة بل إن وقوعها في نشر أخبار كاذبة احتمال ضئيل جدا. ولا عصمة لها، غير أن الهيئة المستقلة للانتخابات ليست معصومة أكثر منها.

إن العزل الإعلامي الذي فرض على الصحافي مقابل فتح القنوات كلها لعضو هيئة الانتخابات يثير شكوكا ملحّة في معالجة قضية خطيرة وهي احتمال إجراء انتخابات مبكرة. فهل اختارت مؤسسات الإعلام، حسب معايير مهنية وأخلاقية ابتدعتها لقضية الحال، أن تقصي صاحب الخبر عمّا قالته في شأن “تصحيح” الوضع؟ أفلا يوحي ذلك بأن المطلوب كان “تكذيب” خبر الوكالة الألمانية مهما كانت النتائج؟ لا شيء غير ذلك يفسر إسكات الصحافي وسماع عضو هيئة الانتخابات. فمن سعى في سبيل إسكاته؟ ومن سيسكت مستقبلا؟

كانت السيدة بن سليمان “ناطقة رسمية” باسم هيئة الانتخابات حتى جمدت الهيئة في 31 أغسطس 2019، في خضم الفترة الانتخابية، خطة الناطق الرسمي. وقد أوردت الصحف التونسية آنذاك تصريحات لأعضاء من الهيئة، رفضوا الإفصاح عن أسمائهم، اتهم فيها بعضهم السيدة بن سليمان بأنها “تزود صحافييها بمعطيات داخلية وحساسة” وبعضهم بأنها توظف حضورها التلفزيوني لضرب بعض زملائها.

إن هذا المثال، من بين أمثلة أخرى كثيرة، دليل على هشاشة مؤسسات الدولة اتصاليا. لقد برز الصراع داخل الهيئة لأن الأعضاء متكافئون في درجات ممارسة السلطة في حين أنه لا يظهر في غيرها من المؤسسات عندما يكون المكلّف بالاتصال موظفا ورئيسه وزيرا. انفجر الخلاف لأن الناطق الرسمي آنذاك، أي السيدة بن سليمان، مارست وظيفتها وهي مد الصحافيين بالمعلومات رأى فيه بعضهم “ضربا لأعضاء في الهيئة”.

إن ذلك من المشكلات الكبيرة التي يعاني منها المكلفون بالاتصال في مؤسسات الدولة، إذ ينظر إليهم رؤساؤهم إمّا مكلفين بتلميع صورتهم هم دون المؤسسة وإما بتلميع صورة المؤسسة عبر صور كبار المسؤولين. ويتحوّل المكلّف بالاتصال في الحالتين إلى داعية. ومن مساوئ المحيط التونسي الخلط بين الاتصال والعلاقات العامة وهو موضوع يطول الحديث فيه تأهيلا وممارسة.

  وإن لم يُنظر إلى المكلّف بالاتصال على أنه داعية أو عون علاقات عامة أو عون إعلانات فينظر إليه على أنه ساع عند الوزير يبلغ الصحافيين مواعيد ندواته وتنقلاته ومختلف نشاطاته لا يحق له التدخل في أدنى الجزئيات التي هي من صميم عمله. إن تلك النظرة تفصل المكلف بالاتصال عن عالمه الحقيقي، الذي هو مد الصحافيين بالمعلومات، حتى تعزله في زاوية يصبح فيها عاجزا عن خدمة الصحافيين، إذ يصبح الإخبار عنده مرتبطا لا بأهمية الملفات في مؤسسته بل بإرادة الوزير في ذلك الملف.

ويؤدي الأمر إلى تشخيص الأخبار وتسييسها فتنعدم المعطيات عن ملفات مهمة لتظهر عندما يزور الوزير مشروعا أو مؤسسة أو يعقد ندوة صحافية فتصبح المصادر المسمّاة مهنية، أي المكلّفون بالاتصال، مصادر تفرض أجندات الوزراء وكبار المسؤولين لا الأجندات المعروفة بالعمومية التي تفرضها في البلدان الديمقراطية مؤسسات الدولة في الفضاء العام بالنظر إلى أولويات البلاد والعباد.

إن التفكير في إعلام جيد ومستقل دون إصلاح الاتصال الحكومي والعمومي إصلاحا عميقا سراب. وإصلاح الاتصال الحكومي يبدأ بفهم دور المكلف بالاتصال المدعو إلى صيانة صورة مؤسسته لا الدعاية لها بالتفنن في حجب المعطيات أو بالتلاعب بها. وما الغاية من صيانة صورة مؤسسة حكومية إلا لخدمة الدولة نفسها.

ولا شيء في تكذيب ما لا يُكذب يخدم الدولة وإن كان يخدم أشخاصا أو أحزابا. ومن أدوار الصحافيين والمكلفين بالاتصال ألاّ يحدث ذلك، أي ألاّ تكون المعلومات أداة للحكم، كما هو شأن الدكتاتورية، حتى لا يقال “وَلَيسَ يَصِحّ في الإفهامِ شيءٌ، إذا احتَاجَ النّهارُ إلى دَليلِ”.

18