وسائل الإعلام تصنع المفاهيم الخاطئة أم تروج لها

تعتبر صورة الطفل السوري عمران التي هزّت العالم أجمع، أحد نتاجات التطور الهائل لوسائل الإعلام وانتشار ظاهرة المواطن الصحافي التي أصبحت سلاحا ذا حدين، ففي حين تلتقط عدسته ما يجري في مناطق بعيدة عن أعين الصحافيين ووكالات الأنباء العالمية، فإن ما ينقله يمكن أيضا أن يجانب الحقيقة أو يخضع لعملية تزوير.
الثلاثاء 2016/08/23
حروب إعلامية على أنقاض الطفولة

بكين – شككت وسائل الإعلام الصينية الحكومية في صحة شريط فيديو الطفل السوري عمران الذي انتشر على الإنترنت وهز العالم ووسائل الإعلام العربية والغربية. واعتبر الإعلام الصيني أن شريط الفيديو قد يكون مفبركا وأنه جزء من “الحرب الدعائية” الغربية.

ولا يعتبر تشكيك الإعلامي الصيني مفاجئا أو استثنائيا في ظل التوسع الهائل لمنظومة الإعلام والاستناد إلى أخبار المواطن الصحافي، التي تحتمل المصداقية والتشكيك بنفس القدر تماما، مما يسمح بتبديل موقعي الضحية والجلاد، بحسب تأويل وسيلة الإعلام للقضية السياسية الأساسية، مستفيدة من أن المتلقي يشكك غالبا في مصدر وصحة الصور والأخبار طالما اكتشف لاحقا أنها غير صحيحة.

وأظهر الفيديو الطفل البالغ من العمر أربع سنوات مغطى بالدماء والغبار، وقال مصور إنه التقط صورته بعد غارة جوية على حلب الأسبوع الماضي. بعدها اعتبرت وزارة الخارجية الأميركية الطفل “الوجه الحقيقي” للحرب السورية.

وتداولت وسائل الإعلام العالمية تفاصيل الحادثة قائلة إن عمران وإخوته وأهله انتشلوا من بين الركام الأربعاء الماضي بعد القصف على حي قاطرجي الذي تسيطر عليه المعارضة في شرق حلب.

ويبدو الطفل صامتا يحدق في الفراغ داخل سيارة إسعاف ثم يرفع يده ويلمس جبهته الدامية ثم ينظر إلى يده ويمسحها على المقعد. وتوفي علي شقيق عمران السبت جراء إصابته، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

ولا يمكن الحديث عن رواية الإعلام الصيني الحكومي، دون الأخذ في الاعتبار الموقف السياسي الصيني من الصراع السوري، إذ تدعم بكين حكومة الرئيس بشار الأسد وهي مقربة من روسيا، ونظرا إلى أن روسيا والنظام السوري يشنان غارات على الفصائل المسلحة والجهاديين في حلب، والتي تسببت بحادثة الطفل عمران، يبدو تشكيك التلفزيون الصيني في الفيديو مفهوما، وقد تساءل عن صحة الشريط الذي أرفقه بكتابة “فيديو يثير الشكوك في أنه مزور”.

وقال الصوت المرافق للتقرير الذي عرض السبت إن منتقدي الفيديو اعتبروه جزءا من “الحرب الدعائية” الرامية إلى خلق ذرائع “إنسانية” لكي تدفع الدول الغربية للتدخل في سوريا. وأضاف “بدلا من أن يسارع المنقذون إلى إنقاذه أعدوا بسرعة الكاميرا”.

باتريك كوكبيرن: وسائل الاعلام أسهمت في صنع المفاهيم الخاطئة أثناء الحروب

وبدورها نفت روسيا تنفيذ الغارة على حي قاطرجي. وقال المتحدث باسم الحكومة الروسية إيغور كوناشنكوف إن التقارير المتعلقة بالطفل عمران عبارة عن “استغلال منافق” و”دعاية نمطية ضد روسيا”.

والتشكيك الصيني في صحة صورة الطفل عمران والنفي الروسي لقصف المنطقة، لهما من أسباب سياسية وجزء من الحرب الإعلامية، لكن خبراء الإعلام عادة ما يضعون مثل هذه الصورة تحت مجهر المسؤولية والحساسية العالية لتحليلها.

ورغم أن الغالبية العظمى من وسائل الإعلام لم تتناول لم تشكك في صحة الصورة وركزت على دلالاتها الصادمة، إلا أن التساؤل عن المصداقية في الرسائل الإعلامية، سواء من الحرب في سوريا أو العراق، لا يزال قائما.

وسبق لباتريك كوكبيرن وهو مراسل مخضرم في دول الشرق الأوسط، أن اعترف بأن الحروب التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في العقد الماضي، والمتصاعدة اليوم، أسهمت بطريقة ما في صناعة المفاهيم الخاطئة عن هوية المنتصر والمهزوم.

ويرجع كوكبيرن، الذي عمل مراسلا في دول عربية لصحيفتي فاينانشال تايمز ثم الإندبندت، منذ العام 1979، سبب صناعة “المفاهيم الخاطئة” إلى الصحف، حيث لعب الصحافيون دورا مركزيا في ذلك.

وهذا ما ركز عليه التلفزيون الصيني، حيث اعتبر أن هناك تساؤلات حول استقلالية مجموعة الدفاع المدني السوري التي صورت الفيديو والمعروفة باسم “القبعات البيضاء”، وقال إنها على ارتباط بالجيش البريطاني.

وهذه ليست المرة الأولى التي يوجه فيها الإعلام الصيني اتهامات بالتزوير، إذ سبق لوكالة الأنباء “شينخوا” أن اتهمت حكومة التيبت في المنفى بنشر أشرطة فيديو مفبركة.

وجدير بالذكر أن الإعلام الصيني وشبكة الإنترنت يخضعان لرقابة مشددة من السلطات، ويقول مسؤولون إن فرض قيود على الإنترنت، بما في ذلك حجب مواقع أجنبية مشهورة مثل “غوغل” و”فيسبوك”، أمر ضروري لضمان الأمن في مواجهة تهديدات متزايدة مثل الإرهاب ووقف نشر الشائعات التي تسبب ضررا.

كما تحمّل الحكومة الصينية رؤساء تحرير المواقع الإخبارية الإلكترونية، المسؤولية المباشرة عن المحتوى، لعدم نشر أي مواد تمس بالمسؤولين السياسيين الكبار في الدولة.

وذكرت وسائل إعلام حكومية صينية، مؤخرا، أن ثمة لوائح جديدة تحمّل رؤساء التحرير المسؤولية بشكل مباشر، وقالت إن المواقع الإخبارية الإلكترونية لا بد أن تراقب محتواها على مدار 24 ساعة يوميا لضمان “التوجيه الصحيح والدقة الواقعية والمصادر المناسبة”.

وتعكس اللوائح الجديدة جهود الدولة الرامية إلى تشديد القبضة الحكومية على وسائل الإعلام والفضاء الإلكتروني، وقد طال هذا التشديد مصادر الدعاية الحكومية وشركات الإعلام الخاصة.

ويسمح لشركات الإنترنت بإعادة نشر المحتوى الذي ينتج عن طريق وسائل إعلام تقليدية تحظى برقابة دورية بموجب قوانين إعلامية قديمة، على الرغم من أنها تطبق بطريقة فضفاضة.

وتطالب الهيئة الصينية لشؤون المعلومات في شبكة الإنترنت المواقع بأن تنشر أخبارا “حقيقية ومتكاملة وموضوعية وغير منحازة”، وتحظر نشر معلومات غير مؤكدة واردة من شبكات التواصل الاجتماعي.

وتؤكد الهيئة المنظمة للإنترنت أن جميع المواقع الإلكترونية يجب عليها الالتزام بمواصفات إعداد وتحرير ونشر الأخبار، بما في ذلك من خلال تطبيقات الهواتف الذكية وموقعي “ويبو” (المشابه لـ”تويتر”) و”وي تشات” وإنشاء آلية قوية للإدارة الداخلية والرقابة.

18