وسائل الإعلام قبل الآباء تصنع توجهات الأبناء

يعتبر الإعلام من العوامل الرئيسية التي تؤثر على الأسرة وخاصة في مستوى تشكيل وجدان أبنائها وثقافتهم، ذلك أن التطور التكنولوجي وثورة الاتصالات جعلا وسائل الإعلام بمختلف تنوعاتها تشغل حيّزا أكبر في حياة الأبناء وتشكل توجهاتهم وآراءهم وتطور مبادئهم وقيمهم، بما يتماشى مع تطورات المجتمعات الأخرى.
الجمعة 2015/06/19
الأبناء يتأثرون بشكل مباشر بوسائل الإعلام سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مواقع التواصل الاجتماعي

القاهرة - أكدت العديد من الدراسات العلمية انكماش دور الأسرة في التربية وتراجعه، ليحل التلفاز محله ويضطلع بدور تعليم وتربية الأبناء، إذ يتجاوز ما يشاهده الطفل من البرامج التليفزيونية الساعات التي يقضيها أمام المعلم أو في رفقة الأبوين، حيث ذكرت دراسات عدة، أن الأطفال ما قبل المدرسة يقضون ما بين ثلث إلى نصف أوقاتهم أمام وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، وبعد دخولهم المدرسة تتساوى المدة التي يقضونها أمام وسائل الإعلام مع المدة التي يقضونها على مقاعد الدراسة، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر تستحوذ على المساحة الأكبر من إجازاتهم.

ففي إحصائية أجرتها مجلة المعرفة السعودية حول أين يقضي الطلاب إجازاتهم؟ تبيّن أن 30 بالمئة من الطلاب يفضّلون مُتابعة وسائل التواصُل الاجتماعي أو مُشاهدة التليفزيون، و11 بالمئة فقط يفضّلون القراءة.

كما تؤكد الأبحاث أن الإعلام وخاصة المرئي منه له دور بارز في التأثير على ثقافة الطفل وتأهيل قُدراته واتجاهاته، حيث توصّلت دراسة بريطانية تعدّ من أفضل الدراسات أُجريت حول تأثير التليفزيون على الطفل، إلى أن الأطفال الذين لا يشاهدون التلفاز يفوقون الأطفال الذين يتابعونه في مُستوى الأداء المدرسي والقُدرات العقلية والتحصيل، وقد أُجري البحث على عيّنة بلغت 927 من الأطفال البريطانيين الذين تتراوَح أعمارهم بين سن العاشرة والرابعة عشرة من العمر، وتناول البحث قضايا مُتعدّدة حول مسألة العلاقة بين الطفل والتليفزيون.

وفي حين أكد التقرير الذي نشرته مجلة “اليونسكو” حول نتائج الاستطلاع الياباني المتعلق بتأثير وسائل الإعلام على الطفل، أن فيض المعلومات التي تقدّمها وسائل الإعلام يعطل تطوّر القُدرات التأمّلية الخلاقة لدى الأطفال ويؤثر سلبا على قُدراتهم.

وأشار خبراء التربية إلى أن دور الأسرة في التربية الإعلامية يكون من خلال فهم دور الإعلام في صياغة مُستقبل أطفالنا وتنشئتهم، وكيفية جعل الإعلام دور إيجابي في تربية الأبناء من خلال تطوير مهارات السؤال النقدي لدى الطفل، بالإضافة إلى إبراز الاستخدام الواعي للتقنية الإعلامية، واستخدام التقنية كأدوات تقدّم الأخبار المفيدة وتزيد من مُستوى المعرفة.

30 بالمئة من الطلاب يفضلون متابعة وسائل التواصل الاجتماعي أو مشاهدة التليفزيون

وعن تأثير الإعلام على الأبناء، يقول الخبراء إن الأبناء يتأثرون بشكل مُباشر بوسائل الإعلام المختلفة سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مواقع التواصل الاجتماعي، كونها تُعتبر المصدر الرئيسي للمعرفة وللمعلومات لديهم، خاصة في ظل غياب دور المعلم وتراجع دوره التربوي، وتقلّص دور الوالدين تجاه أبنائهم في ظل الضغوط الحياتية الكبيرة، مُشيرين إلى أن الطفولة الناجحة ضمان تطور وفاعلية للجيل القادم الذي يستمد المجتمع منه تنميته وقوامه.

وأكدوا أن للإعلام آثار عدة على الأطفال، منها الإيجابي، كالبرامج ذات المغزى التعليمي والمقالات المحفّزة على التفكير والإطلاع والتعرّف على ثقافات الشعوب المختلفة، ونقل الاكتشافات العلمية، ومُتابعة الأحداث العالمية، أما الجانب السلبي فيتمثل في إفساد القيم والتحريف الثقافي، ونشر فكر العُنف والانحراف الأخلاقي من خلال مُحاكاة المشاهد الجنسية، وتعاطي التدخين والمسكرات والمخدرات، وضعف التحصيل الدراسي، هذا إلى جانب اضطرابات نفسية واجتماعية وتربوية.

ومن جانبها أعلنت الدكتورة مادلين بورتوود، الناطقة باسم جمعية علم النفس البريطانية لتنمية الطفل ومستشارة علم النفس التربوي في شركة “إبداع”، التي تتخذ من دولة الإمارات العربية المتحدة مقرا لها، أن على الأطفال دون سن الخامسة أن يقضوا الحد الأدنى من الوقت في مشاهدة التلفزيون أو اللعب على جهاز الكمبيوتر لأن ذلك يساعدهم في تطوير مهاراتهم الاجتماعية.

وأوضحت أن مشاهدة التلفزيون وألعاب الكمبيوتر في أوقات كثيرة توقف تطور المهارات البدنية والنشاط الذهني للأطفال، كما تقلل من وقت الانخراط في اللعب التخيّلي، وتعزز السلوك غير مناسب وتقيد القدرات اللغوية.

ما يشاهده الطفل من برامج تليفزيونية يتجاوز الساعات التي يقضيها أمام المعلم أو رفقة الأبوين

ونبّهت الدكتورة بورتوود قائلة “يمكن للطفل أن يتقن لغة غنية وصافية فقط من خلال الكتب والانسجام الاجتماعي. وباختصار فإن قراءة المزيد من الكتب وتمضية وقت منتج مع الأطفال والابتعاد عن التلفاز والإلكترونيات هو الأساس لبناء مجتمع سليم”.

ونصحت هايدي كونولي رئيسة قسم طب النوم بمستشفى جوليزانو للأطفال في نيويورك الوالدين بإبعاد أجهزة التلفزيون والأجهزة الإلكترونية الأخرى عن غرف نوم الأطفال، لأنها تجعلهم لا يحصلون على قدر كاف من النوم.

وقالت نتائج دراسة حديثة إن الأطفال الذين يخلدون إلى النوم في غرف فيها أجهزة تلفزيون وأجهزة أخرى شبيهة بها ينتهي بهم الأمر إلى ألا يحصلوا على كفايتهم من النوم مقارنة بأطفال آخرين تخلو غرف نومهم من هذه الأجهزة. وقالت جنيفر فالب، كبيرة المشرفين على هذه الدراسة من جامعة كاليفورنيا في بيركلي “في حين أن الأمر يستلزم إجراء دراسات أخرى لتأكيد نتائجنا، فإننا ندرك أن قضاء وقت أطول أمام الشاشات مضر لصحة الأطفال من عدة جوانب”.

وتوصل الباحثون إلى أن الأطفال الذين توجد أجهزة تلفزيون بغرف نومهم ينامون أقل من نظرائهم ممّن تخلو غرف نومهم من هذه الأجهزة بواقع 18 دقيقة في الليلة الواحدة.

وكانت دراسة سابقة قد توصلت إلى أن وجود أجهزة التلفزيون في غرف نوم الأطفال يرتبط بقلة ساعات نومهم وهو الأمر الذي يرتبط في نهاية المطاف بمسائل أخرى منها الإصابة بالبدانة وتخلف مستوى الأداء التعليمي.

21