وسائل الإعلام كالأفراد بعضها نزيهة والأخرى مضللة

وجه الصحافي الأميركي بول فارهي رسالة إلى الجمهور يطلب فيها الكف عن جمع وسائل الإعلام في سلة واحدة وإطلاق الأحكام عليها مجتمعة، ونصح القراء بتوجيه غضبهم وتذمّرهم من وسائل الإعلام نحو “الأسئلة الخمسة الرئيسية التي تُدرس في الصحافة، وهي: من، ماذا، متى، أين، ولماذا؟”.
الثلاثاء 2016/09/27
وسيلة واحدة لا يمكن أن تختصر جميع وسائل الإعلام

واشنطن -“حقيقة لا يوجد شيء اسمه وسائل إعلام فعلا، إنها اختراع وابتكار متعدد الاستعمالات”، بهذه العبارة واجه الصحافي الأميركي بول فارهي قراء صحيفة واشنطن بوست.

وتلقى فارهي الآلاف من الرسائل الإلكترونية والتعليقات على حسابه الرسمي في موقع تويتر، تعبر عن عدم الرضا على وسائل الإعلام وتوجهاتها وطريقة تعاطيها مع الجمهور، وقال فارهي “أرى أنكم (القراء)، تستخدمون مصطلح وسائل الإعلام أو الميديا للإشارة إلى أي محتوى إعلامي تتعرضون إليه سواء كان مكتوبا أو مرئيا أو مسموعا، وتجدونه مخالفا لاعتقاداتكم واختياراتكم السياسية أو الشخصية، وتعتقدون أننا نحن العاملون في مهنة صناعة الأخبار غير جديرين بالثقة”.

وأوضح فارهي أن مقاله في الصحيفة الأميركية جاء خصيصا للطلب من الجمهور “من فضلكم توقفوا عن مناداتنا بوسائل الإعلام”. وطلب من القراء توجيه غضبهم وتذمرهم من وسائل الإعلام نحو “الأسئلة الخمسة الرئيسية التي تُدرس في الصحافة وهي: من، ماذا، متى، أين، ولماذا؟، والسؤال الأخير هو الأصعب”. وأكد أن القارئ عندما يأخذ هذا المنحى سيعرف سبب انزعاجه المحدد، وأن ما ينطبق على الأفراد يمكن أن ينسحب على وسائل الإعلام، حيث أن البعض من هذه الوسائل عادلة والأخرى ليست كذلك، لكنهم ليسوا الشخص نفسه ولن يكونوا كذلك.

ويرى الكاتب الأميركي في مقاله الذي اعتبره مصارحة من نوع خاص مع القراء “نعم، في البعض من الأحيان يمكن إطلاق تسمية وسائل الإعلام علينا، ولكن ليس بالطريقة الفظة التي تشير إلى هذه العبارة. إنها غير دقيقة، وأحيانا تفتقد المعنى”.

ويشير فارهي إلى أن البعض قد يكون مستفزا.. في مقال مثلا، أو تقرير إخباري ما، أو مذيع على قناة ما، لكنّ أيا من هذه الأشياء لا تمثل بمفردها وسائل الإعلام”.

بول فارهي: القراء يثقون في مصادر الأخبار التي يختارونها، بدليل أنهم يطلعون عليها كل يوم

وهناك المئات من شبكات البث والقنوات الفضائية، وما يقارب ألف محطة تلفزيون وطنية، والآلاف من الصحف والمجلات ومحطات الراديو، بالإضافة إلى عدد لا يمكن حصره من المواقع الإلكترونية والمدونات وعدد هائل من المعلومات على مواقع التواصل الاجتماعي تويتر، وفيسبوك، وسناب شات وإنستغرام..، جميعها تنطوي تحت تسمية “وسائل الإعلام”.

ولفت الصحافي إلى أنه لا يمكن لواحدة فقط من هذه الوسائل أن تنقل التقارير والمعلومات جميعها، ومعنى هذا أن ما يفترضه القراء بوجود مؤامرة عليهم من قبل غرف الأخبار ليس صحيحا. إذ أنه من البديهي بالنظر إلى وجود هذا الكم الهائل من الأخبار والمعلومات، فإنه يكون من الصعب تحديد مفهوم وسائل الإعلام.

ويعمل في مؤسسات الإعلام وغرف الأخبار الآلاف من الأشخاص بل عشرات الآلاف منهم، وبالتأكيد لكل منهم طريقة ووجهة نظر تجاه الأحداث التي تجري في العالم، وتنعكس رؤيتهم هذه على قراراتهم وطريقة معالجتهم للتقارير الإخبارية والمحتوى الإعلامي.

وأشار فارهي إلى أن “الاختلاف لا يوجد فقط بين قناة تلفزيونية وأخرى أو صحيفة ومنافستها، لكن الاختلاف يكمن حتى داخل المؤسسة الصحافية الواحدة، وحتى بين صفحات الجريدة الواحدة، فالمقال الافتتاحي لا يشبه المقالات الإخبارية، ومدونو الصحيفة مثلا يختلفون عن المراسلين، ولا يعكس أي

من هؤلاء الحكم النهائي على صحيفة معينة”.

ويواصل قائلا “فمثلا إذا كان هناك ما يثير الغضب على قناة فوكس نيوز، فهي ليست الناطق الحصري باسم الإعلام ولا قناة إن بي سي، ولا حتى واشنطن بوست أو نيويورك تايمز أو دنفر بوست أو غيرها.. يبدو أن الجمع بين هذه المؤسسات المتعددة والمتباينة تحت تسمية ‘وسائل الإعلام’ هو أشبه بوصف الكائنات البحرية كلها بـ’الأسماك’، وقد يكون هذا صحيحا، لكن لا معنى له”.

وينوّه فارهي إلى أن الكثير من القرّاء يتعاملون مع الوسيلة الإعلامية بحذر شديد مثلما يتعاملون مع الكونغرس الأميركي، وهم يعبرون بشكل دائم عن أنهم لا يثقون في وسائل الإعلام. وهو ما أكده تقرير نشر على موقع مؤسسة “غالوب” مؤخرا، ويظهر أن “الثقة” في محطات التلفزيون والصحف بالولايات المتحدة الأميركية، انخفضت إلى أدنى مستوى في تاريخ استطلاعات المؤسسة.

لكن فارهي لفت النظر إلى أن القراء لا يكرهون وسائل الاعلام فعلا بقدر ما يقرون في البعض من الأحيان بكرههم لها، مشيرا إلى أن القراء يستهلكون ما تنتجه وسائل الإعلام من أخبار عاجلة وتقارير استقصائية وجميع المواضيع التي تهم البشر بشكل عام، برضا تام أو على الأقل من دون اعتراض.

وقال إن “القراء يثقون في مصادر الأخبار التي يختارونها بدليل أنهم يطلعون عليها كل يوم، إلا أن المشاركين في استطلاعات الرأي يظهرون رأيا معاكسا عندما يصادفون أسئلة تطلب رأيهم في ‘وسائل الإعلام’ عموما، الذي يبدو أنه لا يلقى لديهم الكثير من الرضا”.

ويعتقد القراء أن وسائل الإعلام منحازة ليبراليا، ويرى فارهي أن هذا الأمر طبيعي لأن “السياسيين المحافظين ومؤيديهم يروجون لهذا الأمر منذ العشرات من السنين”.

18