وسائل الإعلام ليست بريئة مما تنسبه لمواقع التواصل

الأربعاء 2017/10/25

لا تبدو ملامح العلاقة بين وسائل الإعلام التقليدي ومواقع التواصل الاجتماعية محددة بشكل واضح، فرغم سيل التقارير الإخبارية طوال السنوات الأخيرة عن مدى الأضرار التي سببتها بها هذه المواقع للإعلام التقليدي واستحواذها على جمهور عريض لا يقتصر مطلقا على الشباب، إلا أن الإعلام التقليدي استطاع الوصول أيضا لجمهور عريض عبر المنصات الرقمية.

ولطالما كانت العلاقة متشابكة إلى حد كبير واستفاد منها الطرفان على حد سواء، إذا ما جرى الحديث عن الجمهور أو المستخدمين وفق المعيار الرقمي، لكن بطبيعة الحال احتفظ عمالقة الإنترنت لأنفسهم بثمن التكنولوجيا التي قدموها عن طريق الاستحواذ على نصيب الأسد من الإعلانات.

ولا يمكن اعتبار وسائل الإعلام ضحية لثورة التكنولوجيا التي هيمنت على موارد الإعلانات، لا سيما في المنطقة العربية التي تحيط بها أكثر من 1300 قناة فضائية، لا تعيش فقط على المردود الإعلاني المتفاوت أصلا قبل أن يتدهور في السنوات الأخيرة، فأغلب هذه القنوات وخصوصا الإخبارية منها عنوانها العريض تغطية موضوعية فقط دون اعتبارات أخرى.

في حقيقة الأمر لا تبذل غالبية القنوات العربية مجهودا كبيرا في إظهار نفسها كقناة محايدة بمعايير مهنية، بعيدة عن الانحيازات السياسية والطائفية والمذهبية وما إلى ذلك من الأمراض التي استعصت في المنطقة العربية، من دون معرفة على ماذا تعوّل هذه الوسائل، هل تعتبر الجمهور الذي تتوجه إليه بسيطا يفتقر إلى الثقافة أو معرفة ما يجري حوله؟ أم تعتبر نفسها مجرد ناقلة لما يريده الممول، ومنبرا لتسويق ميوله الحزبية ولا حاجة لإتقان اللعبة الإعلامية لطالما أن هذا الممول يدفع.

مهما كانت طبيعة الأهداف أو طريقة تقديم المحتوى الإعلامي، فإن وسائل التواصل الاجتماعي قدّمت فضاء مفتوحا أتاح للمتلقي مقارنة طريقة تقديم الخبر والتغطية الإعلامية في العديد من المنابر بمختلف توجهاتها، وإذا كان هذا متاحا سابقا في القنوات الفضائية، فإن الفارق المؤثر بين الأمس واليوم هو إمكانية تفاعل الجمهور وقياس ردود أفعاله مباشرة على ما يتم تقديمه.

وبنظرة سريعة على صفحات وسائل الإعلام في مواقع التواصل، عند تناولها لخبر أو لقضية قد يبدوان للوهلة الأولى خاليين من توجه، يمكن ملاحظة توجه القناة وميولها السياسية أو الحزبية من خلال نوعية تعليقات المتابعين والناشطين، ويظهر جليا الأثر الذي تتركه على جمهورها الذي لن يتعدى غالبا أولئك الذين يدورون في ذات الفلك السياسي.

وأكثر المتفائلين بالمحتوى الإعلامي العربي، لن يستطيعوا إنكار دور غالبية المنصات في التجييش وشحن جمهورها ضد الفئات الأخرى مختلفة التوجه السياسي أو المذهبي أو الاجتماعي، الذين بدورهم يجودون بما في حوزتهم من مفردات التحريض والكراهية والشتائم للرد على المخالفين لهم، وكل يصرخ في واد دون أن يسمع أحدهم الآخر. والمفارقة المضحكة في وسائل الإعلام التي تدعي أنها منبر الرأي والرأي الآخر، تقوم بعرض آراء المخالفين لها بطريقة استعراضية ساخرة لتسخيف وجهة نظر أصحابها والتقليل من أهميتها، فتبدو محاولاتها مجرد مسرحية هزلية تسلي جمهورها فقط.

وإذا أمكن تبرئة بعض وسائل الإعلام من هذه التهمة، إلا أنها بالتأكيد لم تقم بدور فاعل في محاولة البحث عن نقاط مشتركة بين المختلفين أو تفهم وجهات نظر الآخر، وبالتالي فإن إلقاء اللوم على مواقع التواصل الاجتماعي فقط في نشر الفوضى أمر يحتاج إلى إعادة تفكير، فهي في كثير من الأحيان انعكاس لما تسوّق وتروّج له وسائل الإعلام.

وإذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي في الشرق الأوسط قد منحت الثورات أو الأزمات (المختلف على تسميتها أيضا في وسائل الإعلام) شرارة الاشتعال الأولى، فإن وسائل إعلام قد زوّدتها بالوقود لبقائها مشتعلة، وتوسيع الهوة بين أبناء البلد الواحد.

صحافية سورية

18