وسائل الإعلام مطالبة بيقين لا تملكه الحكومات وخبراء الصحة

الثابت في أزمة كورونا عدم دقة جميع المعلومات.
الأربعاء 2021/01/20
غرف الأخبار أمام اختبار المهنية

لندن - وضعت جائحة كورونا وسائل الإعلام أمام اختبار المسؤولية عن المعلومات الدقيقة والأرقام الصحيحة، في الوقت الذي لم تستطع فيه الحكومات وخبراء الصحة والمنظمة الدولية للصحة الاتفاق على رأي موحد حتى لأربع وعشرين ساعة منذ بداية ظهور الفايروس.

والثابت في أزمة كورونا حتى الآن هو عدم دقة كل المعلومات التي جمعت حول الفايروس، بدءا من سبب ظهوره لأول مرة في مدينة ووهان الصينية، إلى الجدل المتصاعد عن اللقاح بعد ظهور سلالات جديدة.

وانتقل التضارب في الآراء والمعلومات التي تصدرها السلطات إلى وسائل الإعلام، لكن الانتقادات طالت الصحافة من كل جانب وطالبتها بتحري الدقة والموضوعية، وعدم الاكتفاء بالبيانات التي تصدرها الحكومات والسلطات الصحية التي هي أصلا متباينة.

فقبل أيام قليلة، قالت وزيرة الصحة الفلسطينية مي الكيلة إنه “لا يوجد موعد محدد لوصول اللقاح المضاد لفايروس كورونا إلى فلسطين”، في حين كان الناطق الرسمي لوزارة الصحة كمال الشخرة قد أكد أن “اللقاحات ستكون متوفرة في منتصف فبراير القادم”.

وفي الأردن، عندما حاول صحافي الذهاب أبعد مما يدلي به المسؤولون والحكومة ونشره تقريرا عن تلقي المسؤولين الحكوميين اللقاح المضاد لفايروس كورونا خفية بعكس التصريحات العامة حول هذا الموضوع، واجه الإيقاف في 24 ديسمبر الماضي، والملاحقة القضائية بتهم تشمل “تعريض سلامة المجتمع للخطر، وإحداث فتنة والإخلال بالنظام العام، ونشر الرعب بين الناس”.

ولم تكن الدول الغربية أحسن حالا بشأن المعلومات حول الوباء والسلالة المتحورة عن الفايروس، ففي 20 ديسمبر الماضي، خرج وزير الصحة البريطاني، مات هانكوك، معلنا أن “السلالة الجديدة من فايروس كورونا المستجد خارجة عن السيطرة”.

غاري شويتزر: على الصحافيين أن يوضحوا في تقاريرهم ما أصبح مفهوما وما الفرق بين ما نعرفه وما لا نفهمه والأمور الغامضة

وبعد ساعات أكدت منظمة الصحة العالمية في 21 ديسمبر أن السلالة الجديدة لفايروس كورونا المستجد التي ظهرت في المملكة المتحدة “ليست خارج السيطرة”، ودعت إلى تطبيق الإجراءات الصحية التي أثبتت فاعليتها.

وقالت المنظمة في تغريدة عبر تويتر “إنه لا دليل على أن السلالة الجديدة أشد فتكا وتسبب حالات وفاة أكثر أو أن تأثير اللقاح عليها مختلف”.

وأوضح مسؤول الحالات الصحية الطارئة في المنظمة، مايكل راين، في مؤتمر صحافي “سجلنا نسبة تكاثر للفايروس تتجاوز إلى حد بعيد عتبة 1.5 في مراحل مختلفة من هذا الوباء وتمكنا من السيطرة عليها. وبناء عليه، فإن الوضع الراهن في هذا المعنى ليس خارج السيطرة”.

ولم تعد المعضلة أمام وسائل الإعلام تقتصر على سر ظهور الوباء، ولا على طرق انتشاره، وأعداد الإصابات والوفيات في بلدان العالم، وإنما ما يجب أن تنقله والمصادر التي تعتمد عليها وسط سيل من تضارب المعلومات سواء تلك التي تدلي بها منظمة الصحة العالمية، أو التصريحات الحكومية، بما فيها إجراءات الوقاية منه، والأدوية التي يتمُّ استخدامها، والاستعدادات المتخذة لإنتاج اللقاح عبر العديد من دول العالم وشروط ما قبل إنتاجه، إلى جانب أهمية استخدام “الكمامة” من عدمه، والتباعد الاجتماعي أو “مناعة القطيع”، وطرق العدوى.

ومع بدء حملة اللقاح في عدة دول، تواصلت حملة التشكيك بسبب حجم التقارير والتحليلات الصحافية، ما بين الهدف منه ومراحل تجارب اللقاح، وأي لقاح هو الأفضل وهل تتشابه مكونات تلك اللقاحات وهل هي آمنة، وهل استوفت شروط الإنتاج، إلى جانب وعود الحكومات بتوفير اللقاح لشعوبها ثم تراجعها إلى موعد لاحق، والغموض حول التأثيرات الجانبية للقاح والوفيات التي تسبب بها دون وجود أرقام واضحة أو تحقيقات مستقلة حول هذا الموضوع.

وبات المشهد الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي ساحة لتضارب الأنباء والآراء بين الاختصاصيين والعلماء والسياسيين والمفكرين والمحللين من مختلف بلدان العالم، ولم تخل أحيانا من المناكفات السياسية بين بعض الدول على خلفية ظهور الوباء.

وانتقد غاري شويتزر، ناشر مجلة إلكترونية متخصصة بأخبار الصحة، بعض المقالات التي ينقل فيها الكتاب عن شركات مصنعة للأدوية واللقاحات أنّها لم ترَ أي عوارض جانبية خطيرة.

 وقال شويتزر في تقرير نشرته شبكة الصحافيين الدوليين، إنّ “النتائج تأتي بحسب الأشخاص الذين خضعوا للتجارب المخبرية، فالعوارض الجانبية التي قد لا تكون خطيرة بالنسبة إلى شخص، قد تكون مدمرة بالنسبة إلى شخص آخر، وبحسب حالته الصحية”.

وأضاف أنّ “صحيفة وول ستريت جورنال ذكرت في 9 ديسمبر أنّ اثنين من الأشخاص الذين أخذوا لقاح فايزر في المملكة المتحدة كان لديهما رد فعل تحسسي، مما أدى إلى ظهور إرشادات وتحذيرات جديدة”.

لذلك، يتعيّن على الصحافيين عدم التركيز على البيانات الصحافية التي تخدم مصالح شركات الأدوية فقط وفوضى المعلومات الصادرة عنها وعن السياسيين، وعليهم التعامل مع اللقاح بطريقة تشوبها الشكوك باستمرار، إضافة إلى تجنب إثارة الذعر، لاسيما وأنّ أصحاب نظريات المؤامرة ينشرون شائعات بأن اللقاحات ضد فايروس كورونا هي مؤامرة لإدخال الرقائق الدقيقة إلى البشر.

جائحة كورونا ضعت وسائل الإعلام أمام اختبار المسؤولية عن المعلومات الدقيقة والأرقام الصحيحة، في الوقت الذي لم تستطع فيه الحكومات وخبراء الصحة الاتفاق على رأي موحد

وأشار شويتزر إلى “أننا نواجه مثل هذه الأسئلة حول الثقة واللقاحات، وعلى الصحافيين أن يوضحوا في تقاريرهم ما أصبح مفهوما وما الفرق بين ما نعرفه وما لا نفهمه وشرح الأمور الغامضة للقراء، كما عليهم تحسين العلاقات مع الخبراء الصحيين والمتخصصين في الأوبئة والأطباء وعلماء الفايروسات، ما يساعد على إعداد تقارير متخصصة ومفيدة للجمهور وتتضمّن معلومات دقيقة ومعارف مهمّة”.

ومن جهة أخرى، اختصت بعض وسائل الإعلام في استضافة مسؤولين وأطباء وتكرار الأسئلة الساذجة نفسها، وتوجيههم لمدح الإنجازات الحكومية والإجراءات “السباقة” في التعامل مع الأزمة الصحية مقارنة بالدول الأخرى.

ويجادل البعض أن مهمة الصحافة لا تقتصر على نقل الخبر ومراقبة السلطة، بل تتجاوزها إلى نشر مفاهيم وترسيخ ثقافة وتوعية المواطنين والتقصي وعدم الاكتفاء بالتصريحات الرسمية. ولا مكان للسبق الصحافي ما بين مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام التقليدي، فالمعلومة الخاطئة تتسبب بانتشار التهويل والذعر وأحيانا بالضحايا.

ووسط القلق والفوضى، تقوم الرسالة الإعلامية بدور هام في الوعي والعناية بالصحة النفسية التي لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية.

ويقول خبراء إعلام إن الفايروس وضع وسائل الإعلام أمام اختبار صعب، في نقل البيانات العلمية وخبراء الرعاية الصحية والمسؤولين، مع ضرورة التحقق والتأكد من صحتها، وهي مهمة عسيرة، إذ لا يوجد الوقت الكافي للتحقق منها ولا تتوافر الإمكانات اللازمة من تقنيات متطورة وفرق بحث وتقصّ ومصادر داخل المؤسسات الرسمية لنقل الخبر وخفايا الأمور.

وتكمن المسؤولية في المحافظة على العقلانية في تقديم المعلومات. وإحدى المشاكل المترافقة للجائحة تتمثّل بأنّ التقرير الذي سيتمّ إعداده قد يكون الأهم والأصعب في عمل أي صحافي.

18