وسائل التواصل الاجتماعي تعقد علاقة المواطن الأميركي بالدولة

في كل مرة تقوم فيها الشرطة الأميركية بارتكاب تجاوزات في حق مواطنين أميركيين من ذوي البشرة السوداء فإن موجة ضخمة من الاحتجاجات تظهر للرد على تلك التجاوزات، لكن المثير للانتباه أن تلك الاحتجاجات تكشف بدورها عن ظواهر عديدة مرتبطة بالأزمة، منها مثلا أن وسائل التواصل الاجتماعي أداة مهمة في رسم صورة الأزمة والتحكم فيها، كما يمكن أن تتسبب في ردود أفعال قد تتجاوز في عنفها عنف العنصرية ذاتها.
الاثنين 2016/07/11
مواجهة غير متكافئة لسياسة غير عادلة

واشنطن - تتواصل التحليلات المعمقة لمسألة تفشي ظاهرة التمييز العنصري في الولايات المتحدة الأميركية بعد أن قتلت الشرطة الأميركية الخميس الماضي مواطنين أميركيين من ذوي البشرة السوداء وهما ألتون ستيرلينج بولاية لويزيانا وفيلاندو كاستايل بولاية مينيسوتا، وقد أثارت الحادثتان موجة احتجاجات عنيفة أدت إلى اختزال الرئيس باراك أوباما لزيارته إلى أسبانيا وتدخل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مطالبا بتحقيق معمق في أسباب قتل الرجلين من قبل أفراد الشرطة.

ففي أسبوع واحد، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي بسرعة هائلة شريطا فيديو يصوران اللحظات الأخيرة لمواطنين أسودين وهما يقتلان برصاص الشرطة في لويزيانا ومينيسوتا، ما أثار صدمة في الولايات المتحدة أحيت الجدل حول عنف رجال الشرطة مع السود كفعل تمييز عنصري.

ولكن ذلك لم يكن خاليا من ردود أفعال عنيفة قد تتجاوز عنف فعل قتل الرجلين ذويْ البشرة السمراء، فقد شهدت مدينة دالاس مجزرة ضد رجال شرطة بيض ردا على قتل الرجلين.

حكم مباشر

يقول أستاذ علم الاجتماع بجامعة براندون في كندا كريستوفر شنايدر “كانت هناك تأويلات عدة لما يوصف بعنف الشرطة أو سوء التصرف، وحتى اليوم، كانت هذه التفسيرات تصدر عن أجهزة الشرطة والمسؤولين الكبار”.

ويضيف الأستاذ الجامعي الذي وضع كتابا صدر هذا العام حول “ضبط النظام العام ومواقع التواصل”، أن “اليوم، يتم بث أشرطة الفيديو فور وقوع الحادث، ويمكننا جميعا أن نحكم على أعمال العنف”.

وقال الرئيس الأميركي باراك أوباما السبت من وارسو خلال قمة حلف شمال الأطلسي إن “تسجيلات الفيديو زادت نسبة الإدراك عند الناس بالنسبة إلى هذه القضايا”.

مارك بوتوك: الغضب من رجال الشرطة ساهم في صعود حركات متطرفة في الوجه المقابل

وفي 1991 أظهر شريط فيديو، التقطه “مواطن صحافي”، سائق التاكسي رودني كينغ يتعرض للضرب على أيدي عناصر في الشرطة، ما أثار عمليات شغب واضطرابات في لوس أنجلس.

ولعله شريط الفيديو الأقدم من هذا النوع على مواقع التواصل الاجتماعي. واليوم صارت مثل هذه التسجيلات تنتشر بسرعة فائقة بفضل الهواتف الذكية.

ويذكر ديفيد أوبرتي من مجلة “كولومبيا جورناليزم” بأن “مواطنين صحافيين هم الذين كانوا سباقين إلى نشر معلومات وصور عن الربيع العربي مثلا، واليوم هؤلاء المواطنون أنفسهم هم الذين يؤدون الخدمة ذاتها في النقاش حول العنصرية والشرطة بأميركا”.

ويرى الباحث شنايدر الذي أجرى دراسات حول أجهزة الشرطة في الولايات المتحدة وكندا، أن الحوادث الأخيرة يجب أن تقود إلى “تغيير تاريخي في طريقة ضبط النظام العام التي تعتمدها الشرطة”.

ويشير إلى أن الأقليات المهمشة إجمالا تمارس حقها في التعبير على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يجبر أجهزة الشرطة على إعادة النظر الكامل في استراتيجيتها.

ويقول إن “أحد أكبر التحديات التي تواجه الشرطة هو استعادة السيطرة على الرسائل التي يلتقطها الرأي العام”، مضيفا “يجب أن يتلقى الناس رسالة مفادها أن الشرطة تقف إلى جانب الأشخاص الخيرين”.

ويعتبر أنه على الشرطة أن تلجأ لأجل ذلك بدورها إلى استخدام الكاميرات الصغيرة الشخصية والمسجلات، لكي تقدم وجهة نظرها من أي قضية.

وأوردت دراسة قام بها عالم الجريمة مايكل وايت من جامعة أريزونا أخيرا، أن الشكاوى من السلوك العنيف لعناصر الشرطة تراجعت منذ بدء استخدام الكاميرات الشخصية. إلا أن المدافعين عن الحريات الشخصية يحذرون من أن الكاميرات وأشرطة الفيديو لا تمثل الحل المثالي، ويمكنها أن تمس بالحريات الشخصية.

ويقول عالم الجريمة في جامعة ميسوري- سان لويس ديفيد كلينغر إن أشرطة الفيديو تعطي عددا لا يحصى من المعلومات ولا يمكنها أن تحدد تماما متى يشعر الشرطي بالخطر. ويتابع “الفيديو هو تمثيل للواقع ببعدين أو ثلاثة أبعاد لكن من وجهة نظر واحدة”.

ويظهر الباحث في إحدى دراساته انقطاعا تاما بين ما تراه الشرطة وتسمعه وما تظهره الصور، معتبرا أن “هناك إدراكا غير طبيعي” لدى 95 في المئة من عناصر الشرطة بأن “ما يلتقطونه مختلف عما تلتقطه كاميرا الفيديو”.

ويقول ويد هاندرسون الذي يرأس منظمة غير حكومية للدفاع عن حقوق الإنسان “ليدرشيب كونفرانس أون سيفيل أند هيومان رايتس”، إن استخدام الشرطة للكاميرات ليس الحل. ويوضح أن “الكاميرات بعيدة عن الأشخاص الذين يستخدمونها، لأنها تستخدم لتصوير للسود لا عناصر الشرطة”.

إلا أن أنطونيو جيناتا من منظمة “هيومن رايتس ووتش” يشدد على أن أشرطة الفيديو قادرة على مساعدة السلطات على المحاسبة. ويقول إن “قدرة تسجيلات الفيديو على إظهار العنف الذي تقوم به الشرطة غير قابل للنقاش”.

ويتابع أن الحوادث بين السود والشرطة “ليست جديدة، لكن العالم كله بات اليوم شاهدا عليها”. وبالتأكيد فإن آليات التواصل الاجتماعي التي أصبحت متاحة لدى الجميع أصبحت اليوم المؤثر الأول والرئيسي في الرأي العام ويمكن أن تؤدي إلى تغيير استراتيجيات كبرى لدى مؤسسات حكومية ضخمة مثل الشرطة الأميركية.

ردود فعل متطرفة

قام ميكا جونسون الجندي السابق البالغ من العمر 25 عاما وهو مؤيد لمنظمات تدافع عن حقوق السود ويدعو البعض منها إلى العنف بإطلاق النار على مجموعة من رجال الشرطة من ذوي البشرة البيضاء في مقر للشرطة في مدينة دالاس، الأمر الذي اعتبره عدد من المراقبين عملا انتقاميا خطيرا قد يعيد الولايات المتحدة إلى مرحلة الستينات من القرن الماضي حين كانت الجرائم العنصرية ضد السود سببا مباشرا في ما يشبه الحرب الأهلية داخل البعض من الولايات الأميركية.

وقد كشفت ردود الأفعال التي تمثلت في العديد من المظاهرات والاحتجاجات في مدن أميركية أن الجرائم العنصرية تعكس وضعا مضطربا داخل أميركا بشكل عام.

هكذا تحارب التمييز العنصري

فقد اعتبر مركز “بوفرتي لوو سنتر” الذي يتابع الحركات العنصرية والمتطرفة في الولايات المتحدة، أن التوترات العرقية والسأم من النخب السياسية، وعدم المساواة الاقتصادية، كلها عناصر تغذي الاستقطاب في البلاد.

وأشار مركز “بوفرتي لوو سنتر” إلى أن المجموعات التي يرصدها هي حركات “لانفصاليين سود” يعارضون “الاندماج والزواج بين الأعراق، ويسعون إلى مؤسسات منفصلة، أو حتى دولة منفصلة للسود في أميركا”.

وقال مارك بوتوك، الخبير في المركز والذي كتب عن صعود هذه الجماعات في العام الماضي، ان هذه المنظمات “صغيرة جدا عموما، لكنها معادية جدا للسامية، ومعادية جدا للبيض ومعادية جدا للمثليين ايضا”.

لكن هذه الحركات تختلف جدا عن مجموعات مثل “حياة السود مهمة” التي ظهرت قبل عامين اثر مقتل عدد من السود العزل برصاص عناصر شرطة بيض في معظم الاحيان، وفي السياق ذاته، ظهرت العديد من الدراسات في سنوات الستينات من القرن الماضي عندما كانت جرائم التمييز العنصري منتشرة بكثافة في أميركا أن عددا من المجموعات من ذوي البشرة السوداء أسسوا مجاميع مغايرة للأميركيين في أحواز المدن، خاصة في ضواحي مدينة شيكاغو، أين أصبح التعامل بين هؤلاء منغلقا وغير قابل للآخر وينكر الانفتاح، وقد كانت أهم معالم ذلك الانغلاق أن نمطا جديدا من الحياة والسلوكات وطبيعة النظام واللغة تم الكشف عنه عبر جملة من البحوث الاجتماعية، الأمر الذي يعكس خطورة الإقصاء المتبادل.

واوضح بوتوك ان هذه الحركات غير مرتبطة بالمجموعة السلمية المعروفة باسم “حياة السود مهمة”، لكنها استفادت من شعبية هذه المجموعة. واضاف “كل الغضب إزاء عنف الشرطة ضد السود ساهم في صعود هذه المجموعات السوداء المتطرفة”.

وسارعت مجموعة “حياة السود مهمة” عبر صفحتها على فيسبوك الى النأي بنفسها عن مجزرة دالاس. وكتبت ان “اعتداء الأمس هو نتيجة اعمال ارتكبها قناص منفرد”، معتبرة ان “تحميل مجموعة بكاملها مسؤولية اعمال شخص واحد، هو أمر خطير”.

وكان جونسون يتابع على فيسبوك مجموعات “نيو بلاك بانثر بارتي” و”نايشن اوف اسلام” و”بلاك رايدرز ليبرايشن” وكلها مدرجة على لائحة المجموعات التي تدعو الى الكراهية.

واتهمت “نيو بلاك بانثر بارتي” اليهود سابقا بالمسؤولية عن اعتداءات 11 سبتمبر، وهي تعتبر ان البيض يحضرون لإبادة جميع من هم غير بيض، بحسب ما أوضح “بوفرتي لوو سنتر”. أما “نايشن اوف إسلام” فمعروفة ايضا بمعاداتها للسامية وكرهها للبيض.

7