وسائل التواصل الاجتماعي قوة هائلة قادرة على إحداث التغيير

السبت 2014/11/15
نفوذ لا يمكن تجاهله لوسائل التواصل لاالاجتماعي

لندن - وسائل التواصل الاجتماعي نجحت في معالجة مرض التجاهل في الوعي الجماعي، كما نجحت في تغيير القوانين. وقد أثبتت الأحداث أنه كلما ازداد عدد الناشطين، كلما خفّ عبء المسؤولية وحجمها

من الصعب تجاهل النفوذ الهائل لسلطة وسائل التواصل الاجتماعي، فرغم بداياتها المترددة كـ”طريقة تافهة” للبقاء على اتصال مع الأصدقاء ومشاركة الصور والنكات، أصبحت هذه الوسائل اليوم قوة حقيقية لإحداث تغيير مجتمعي وتسليط الضوء على مواضيع لم تكن معروفة سابقا، وتعميق المناقشات وتمكين مواطني العالم أجمع من التوحد وتفعيل التغيير بطرق متعددة.

ومن المثير للاهتمام أنّ قدرة وسائل التواصل الاجتماعي، بصفتها وسيلة للاتصال والتنظيم والتواصل، على تعزيز الديمقراطية ونشرها أكثر نجاعة بكثير من مليارات الدولارات من المعونة أو الحرب، في أركان من العالم تُعرف بمقاومتها الشديدة لمثل هذا التغيير.


توضيح الرؤية


من أرجاء أميركا مرورا بالهند وأفريقيا ووصولا إلى العالم العربي أثبتت شبكة الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي خاصة، قدرتها الفريدة على جلب الانتباه إلى القضايا الهامة، على غرار قضية العنف المنزلي التي لا تزال شائعة جدا.

وفي أميركا مثلا على الرغم من أن الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون كان قد وضع “قانون مكافحة العنف ضد المرأة” في عام 1994، وتم إجراء تغييرات هامة في هذا المجال، فإن حوادث حديثة قد أوضحت بجلاء أنّنا لا نزال في حاجة إلى العمل لتحقيق المزيد من الإصلاحات.

وهنا يأتي دور وسائل التواصل الاجتماعي ولا سيما هاشتاغ #whyshestayed، (لماذا بقيت)، الذي قلب المعادلة الشهر الماضي وأعطى مثالا عن رفض سكان العالم البقاء مكتوفي الأيدي والسماح بإلقاء اللوم على الضحايا، وذلك بإظهار مدى تأثر العديد من الناس بهذه المسألة ومدى تصميمهم على استقطاب انتباه المسؤولين نحو ضرورة إحداث التغييرات اللازمة. وكشف الهاشتاغ أرقاما مفزعة أدت إلى دق ناقوس الخطر والتحرك لإيجاد حلول للمشكلة، وأبرز ما كشفه المغردون هو أن عدد قتلى الجيش الأميركي في أفغانستان لئن وصل بين عامي 2001 و2012 إلى نحو 7 آلاف جندي، فقد وصل عدد ضحايا العنف المنزلي من السيدات في الفترة نفسها إلى نحو 12 ألف قتيلة.

255 مليونا عدد مستخدمي موقع التواصل الاجتماعي تويتر في العالم وفق أحدث الإحصائيات


تصاعد الأدلة


سيكون من السهل التغاضي عن مثل هذه الحملة واعتبارها ومضات هامشية وعابرة، أو كونها لغطا لا يؤدي إلى أي نتيجة في نهاية المطاف، لكنّ هذا الموقف خاطئ تماما.

هذه ليست حوادث معزولة، وهي لا تمثّل مجرد ضجيج صاخب وعابر، فقد وفّر التاريخ الحديث عددا من الأمثلة على حملات الهاشتاغ التي أدت إلى تغيير فعلي، وفيما يلي أمثلة قليلة:

دعا هاشتاغ #Ferguson (فيرغسون) إلى الوعي بوحشية الشرطة والانقسام العرقي في ولاية ميسوري. لم تكن هذه القصة لتسترعي اهتمام الكثير من الناس لولا الهاشتاغ الذي تسبب في متابعة الناس للأحداث عن كثب وبدقة عن طريق وسائل الإعلام الاجتماعية لتقاسم مستحدثات القضية بتفاصيلها كاملة.

يذكر أن القضية سببها الشرطة الأميركية التي أطلقت النار على شاب أسود غير مسلح، وأدى مقتل الشاب على يد شرطي أبيض إلى اندلاع تظاهرات غاضبة في مدينة فيرغسون الواقعة في ميزوري نقلها تويتر عبر الهاشتاغ لحظة بلحظة.

من جانب آخر واصل هتاغ #NetNeutrality (حياد النت) لفت الانتباه إلى الكفاح من أجل الحفاظ على مجانية شبكة الإنترنت وانفتاحها، دون ممرات سريعة للعملاء الأميركيين، وهو ما أسفر عن 4 مليون تعليقا على المنتدى المفتوح الذي أنشأته لجنة الاتصالات الفيدرالية لمساعدتها على اتخاذ قرار بشأن قواعد “الحياد الصافية” المقترحة.

ريتو شارما: وسائل التواصل الاجتماعي وحدها لن تحل مشاكل العالم

من جانب آخر نجح هتاغ #IceBucketChallenge (تحدي دلو الثلج) في جمع رقم قياسي من الأموال للتوعية بمرض التصلب الجانبي الضموري بلغت قيمتها (115 مليون دولار، منذ 29 يوليو) بفضل حملة التوعية تلك التي لاقت شعبية خيالية، وهو ما أثبت أن دلوا من الماء المثلج يملك القدرة على جلب محبة الجماهير وأموالهم. وكان هاشتاغ #ArabSpring (الربيع العربي) سلط الضوء على الاحتجاجات والاضطرابات في العديد من البلدان، من تونس إلى سوريا، ممّا نجح في توحيد الجماهير المستعدة لاتخاذ إجراءات على أمل إقامة نظام جديد.

كما سلّط هشتاغ # delhigangrape (عنب دلهي) الضوء على ثقافة العنف والاغتصاب في الهند، ونجح في إحداث تغييرات على المستوى القانوني والتربية الجنسية في البلاد. كما ألهمت هذه الحملة الكاتبة المسرحية إيف إنسلر لبدء حملة “رايزينغ وان ميليون” العالمية لوضع حدّ للعنف والمطالبة بالتغيير والعدالة للمرأة.

ولئن أثبتت الأحداث الأخيرة المتعلقة بالاغتصاب الجماعي في الهند أن المشكلة لا تزال بعيدة عن الحل الجذري، إلّا أنّ هشتاغ #wakeupakhilesh (استيقظ أكيلاش) لا ينفكّ يذكّر أكيلاش ياداف، رئيس وزراء شمال ولاية اوتار براديش، بالتزاماته نحو ناخبيه.

ويقول خبراء إن الكلمات الدلالية المستخدمة على شبكة تويتر والمسماة هاشتاغا تحولت إلى واحد من أهم مؤشرات الرأي العام وطرق قياسه، فيما ظهرت مواقع عالمية متخصصة في استكشاف الهاشتاغات الأكثــر إثـــــارة لاهتمام مستخدمي تويتر وقياسها.

وتقوم فكرة الهاشتاغ على وضع كلمة دلالية حول موضوع معين، وهو موضوع غالباً ما يكون مثيرا بالنسبة إلى المستخدمين في مكان ما محدد، أو حول العالم، وبمجرد ظهور الهاشتاغ فإن كافة التغريدات التي تتناول الموضوع ستحمل نفس الـهاشتاغ، كما أن من يبحث بواسطة استخدام الــ”هاشتاغ” يصل إلى كافة التغريدات التي تتضمن الموضوع.

وظهرت مؤخرا عشرات المواقع الإلكترونية التي تقدم خدمات قياس الهاشتاغ، فضلا عن أن عمليات قياس الهاشتاغات ومدى انتشارها على الإنترنت.

من الصعب تجاهل النفوذ الهائل لسلطة وسائل التواصل الاجتماعي، فرغم بداياتها المترددة، أصبحت هذه الوسائل قوة حقيقية لإحداث تغيير مجتمعي


وحدة الهاشتاغ


يتمثّل أحد أهمّ وأقوى جوانب الإعلام الاجتماعي في توفيره بيئة ووسيلة للناس للتعبير عن أنفسهم بشكل مستقل، وإيجاد مجتمع مناسب في نفس الوقت.

فمبدأ “وحدة الهاشتاغ” لا تقل قوة عن التجمع الجسدي والفعلي لمجموعة من الناس في مكان واحد. كما أنّ لها القدرة على التثقيف والإصلاح والحض على التغيير من خلال القوة المجردة للأصوات المرتفعة عبر الإنترنت.

هي لا تكلف شيئا، مقارنة بالموارد التي يتمّ إنفاقها على القوى العسكرية التي تضمن السلام في البلدان التي مزقتها الحروب، بينما نكافح هنا، على المستوى المحلي، لإيجاد تمويلات للرعاية الصحية والتعليم.

لقد نجحنا بالفعل في التأثير على قضايا الصحة (على غرار بعض الأمراض المميتة مثل مرض التصلب الجانبي الضموري) والعيش السليم بصفة عامة (وهو ما يستحيل تحقيقه في بيئة من العنف المنزلي)، والمساواة بين الجنسين، والعنف الجنسي، والحقوق المدنية.

لقد منحنا تسليط الضوء على هذه القضايا الجتماعية الهامة للتثقيف والتوعية بها. وفي تطوّر اجتماعي غير متوقع تماما، أصبحت اليوم وسائل التواصل الاجتماعي أقوى أداة لوضع مبدأ الديمقراطية تحت تصرفنـــا. ليســـــت هذه الوسائل مجرد ضوضاء، فهي تحدث تغييرا حقيقيا.

فقــــد استقطـبـــــت القضايا المذكورة أعلاه اهتمـــــامـــا جماهيريا واسعا عبر الوسائط الاجتماعية، وهو اهتمام دفع بالعديد من الناس إلى اتخاذ إجراءات فعلية والعمل وتقاسم الخبرات التي تم توسيعها عن طريق الشبكات الاجتماعية ونشر التضامن. هناك عمل واهتمام وعمل إضافي ومتواصل.


ما يجب فعله، وما لا يجب فعله


ما هي الخطوة القادمة؟ ما هو دور المؤسسات غير الهادفة إلى الربح، بوصفها أعضاء من المجتمع؟ من المهم بالنسبة إلينا أن نسعى إلى البحث عن القضايا الأكثر أهمية لنا ونشر الدعاية اللازمة لها.

من الضروري تسليط الضوء والتوعية والمشاركة الفعالة في “وحدة الهاشتاغ”. يجب أن نتخذ إجراءات متى استطعنا، بل أحيانا مجرد توجيه عمل الآخرين يُعدّ كافيا عبر”تقاسم هذه القصة، توقيع هذه العريضة، نشر الوعي والإدراك وأن تكون جزءا من جوقة الأصوات المطالبة بالتغيير”.

ليس دائما في وسعنا أن نفعل أكثر من ذلك بكثير، ولكن متى اجتمعت مجموعة كافية منا، يمكننا إقناع أصحاب النفوذ وصانعي القرارات بإيجاد الحلول وتنفيذها.

هناك دائما استثناءات سلبية بالطبع، فوسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون جماعة أو عصابة. لذلك، فعلى عاتق قادة مجتمعات الإنترنت مسؤولية هامة، إذ يتوجب عليهم تشجيع متتبعيهم باستمرار على استخدام هذا النفوذ بطريقة مسؤولة.

وفي هذا السياق، تقول ريتو شارما، الناشطة في مجال حقوق الإنسان وهي أميركية من أصل هندي، على سبيل المثال، لصحيفة هافغتون بوست الأميركية “نحن لا نشجع أي أعمال مرتبطة بتنفيذ العدالة الفردية، فنحن نفقد نفوذنا عندما نسعى إلى الانتقام، ونفقد خاصة المصداقية، توفّر هذه الحملات الإعلامية الاجتماعية وسائل للتصحيح الذاتي بطريقة ديمقراطية، حيث تفلت القصة من سيطرة عدد قليل من الأشخاص، أو الأشخاص الذين يحاولون إبقاءها في طي الكتمان. مهمتنا كمواطنين هي ممارسة الضغط للحصول على حلول من السلطات المختصة، وليس معالجة هذه المسائل شخصيا ومباشرة”.

وتضيف “أدرك جيدا أنّ وسائل التواصل الاجتماعي وحدها لن تحل جميع مشاكل العالم. ولكنها نجحت، بمحض الصدفة ودون قصد في البداية، في ترسيخ الديمقراطية، والتعليم، والعدل، سواء في الداخل أو الخارج”.

لكن ماذا لو حاولنا التفكير معا لإيجاد حلول بشكل مدروس بهدف تسخير هذا النفوذ؟ فكروا في الطرق التي قد تمكننا من تعليم بعضنا البعض، والطرق التي من شأنها أن تتيح للناس ممارسة نشاطهم الاجتماعي، وتحقيق التغيير الفعلي الذي يصبون إليه. يمكننا أن نسمح للحكومة بالمشاركة في التثقيف والتعليم عبر هذه البرامج، ولكن يمكننا كذلك تخطي الحكومة، وتدريب آخرين على ممارسة الدعوة والنشاط الاجتماعي بهدف خدمة مصالحهم الخاصة والعامة.

18