وسائل الحفظ الحديثة لم تثن العرب عن تقاليد تخزين التمور

دأب أجدادنا قديما على عادات تخزين وحفظ المواد الغذائية من ثمار وحبوب ليتمكنوا من استهلاكها في غير مواسم جنيها فابتكروا لأجل ذلك تقنيات ووسائل طبيعية تحفظ الثمار لأطول فترة زمنية ممكنة، وكانت التمور من أهم الثمار التي يستعين بها العربي في تأمين غذائه لذلك حرص على تخزينها باستعمال ما تتيحه له بيئته. أما اليوم وبعد انتشار وسائل الحفظ والتبريد العصرية استغنت عديد الأسر العربية عن طرق الخزن التقليدية وما يلزمها من أوان وأدوات.
الاثنين 2015/12/28
لا يتخيل العرب حياتهم دون تمر

الرياض - للنخلة علاقة وطيدة بوجدان العرب فقد مثلت لعقود مصدرا للغذاء ومورد رزق للكثير من المزارعين والحرفيين الذين استغلوا كل ما تجود به من منتوج في الطعام وصنع الدواء وغيره، ولتعلقهم بها أخذت النخلة وثمارها أبعادا رمزية في الثقافة العربية فذكرها في القرآن الكريم وفي السنّة منحها بعدا روحيا واستشفائيا جعل المسلمين يبحثون في أسرارها كنعمة ربانية وإلى اليوم تنجز بحوث علمية كثيرة لاكتشاف فوائد النخيل والتمر.

هذا التعلق بالنخلة ترجمه العرب في مدوناتهم وأشعارهم فاستعملت لغويا كأداة للتشبيه وللوصف في الأدب العربي تعبيرا عن قيم إنسانية وجمالية عديدة منها الشموخ والصبر والجود والجمال وغيرها. كما ذكرت ثمار النخيل بأنواعها وزيوتها وكل ما يمكن أن يستخرج منها في كتب الطب القديمة ومنها “الطب النبوي” أو “الطب بالأعشاب” التي أنجزها العلماء في الطب والكيمياء في تلك العصور واستعملت منتجاتها للتداوي وللتجميل وللعديد من الأغراض التي تعود بالمنفعة على الإنسان.

اعتمد سكان الجزيرة العربية البدو والرحل على الموارد الطبيعة ومنتجات الزراعة لتأمين متطلباتهم وغذائهم اليومي لذلك حرصوا على استثمار كل ما تنتجه النخلة من أنواع التمور عبر تخزينها لتصاحبهم في استهلاكهم اليومي على مدار السنة وابتكروا لأجل ذلك تقنيات ووسائل عديدة تسهّل عليهم حفظ التمور لفترة زمنية طويلة دون أن تفسد أو تفقد قيمتها الغذائية وهو ما جعلهم يخزنونها بطرق تقليدية وأدوات طبيعية تختلف حسب المناطق وحسب نوعية وجودة التمور.

التعلق بالنخلة ترجمه العرب في مدوناتهم وأشعارهم فاستعملت لغويا كأداة للتشبيه تعبيرا عن الشموخ والصبر والجمال

ما زالت طرق حفظ التمر التقليدية راسخة ومستعملة في بعض مناطق الخليج العربي والمغرب العربي. في الجنوب التونسي مثلا تنتج واحات النخيل الممتدة على مساحات شاسعة أنواعا عديدة من التمور في محافظات توزر وقبلي وغيرهما حيث تستعمل النساء الجرار المصنوعة من الفخار والتي تسمى محليا “الخابية” أو “الزير” وتوضع فيها كميات التمر المخصصة للخزن بعد فرزه وتنظيفه من الشوائب، وتغلق بإحكام إما بقطعة من القماش تربط على عنق الجرة بالخيط أو بغيرها حتى يمنع تسرب الهواء والحشرات إلى الداخل. وتحفظ الخابية في مكان يكون عادة بيت المؤونة وتسمى “المقصورة” التي تتميز بدرجة حرارة معتدلة ليتم استهلاك التمر بعد شهور دون أن يتغيّر مذاقه.

وكذلك ابتكر مزارعو النخيل في الواحات التونسية طريقة أخرى لحفظ التمر -لعلها أقدم من أواني الفخار- بوضعها في ما يسمى محليا “البطانة” أو “السماط” أو “القربة” التي تصنع من جلد الماعز بعد تجفيفه وتنظيفه ودبغه ثم يتم ملؤه بالتمر المنقى من الشوائب ثم تغلق الفوهة التي تم إدخال التمر منها بإحكام وتعلق أو توضع في المكان المخصص للتخزين في المنزل.

هذه الطريقة في حفظ التمر في جلد الحيوان توجد أيضا في اليمن وتحديدا في جزيرة سقطرَى ويطلق على الوعاء نفسه الذي يصنع من جلد الماعز اسم “القربة” ويتم ملؤها بالتمر بعد إخراج النوى منه وهي طريقة تتميز بقدرتها على حفظ التمور لأشهر وحتى لسنوات دون أن يلحق بالكميات المخزنة أي أذى شريطة أن تحفظ بعيدا عن المياه.

الأواني الحافظة للتمر تختلف باختلاف البيئة

أما الإماراتيون فقد كانت لهم طرقهم الخاصة في حفظ التمور لتأمين الغذاء في أيام الشتاء وما زالوا يحافظون على عاداتهم وتقاليدهم في تخزينه حتى اليوم. فبعد أن ينضج التمر ويتم جنيه يصنع له من سعف النخيل المشدود بعضه إلى بعض “الدعم” أو “المسطاح” الذي يشكل بساطا ينشر فوقه الرطب حتى يجف تماما وهي مرحلة تسمى “النشر” وتدوم بين 4 و5 أيام حسب حرارة الشمس وبعد تنقيته من الشوائب يتم فرزه وتقسيمه ويختار التمر من النوعية الجيدة للتخزين.

ويحفظ التمر في الإمارات بطريقتين الأولى يكون فيها “نثر” أي تحفظ حبات التمر كما هي ودون هرس أو نزع النواة منها ليتم وضعها في وعاء مصنوع من خوص النخل (أوراقه) ويسمى في الإمارات والعديد من دول الخليج العربي “الخصافة” أو يتم عجن التمر ليصبح اسمه “المدلوك” نسبة لهرسه ودلكه ثم يوضع في الخصافة. وأحيانا يتم حفظ التمر المدلوك في إناء فخاري يسمى “الخرز” وتظل المرحلة الأهم لتنجح عملية التخزين غلق الوعاء بشكل جيد ومحكم.

ويكون الخزن في غرف مخصصة للتمر تسمى “المدابس” وبناؤها يكون بطريقة تقليدية لذلك يتقنها حرفيون مختصون في تشييدها دأبوا على هذه المهنة كحرفة قديمة حيث يحفظ التمر ليستخرج منه “الدبس” وهو عبارة عن عصارة أو مربّى التمر الذي يخضع بدوره لمراحل وتقنيات خاصة توارثها الإماراتيون وجيرانهم في دول الخليج مثل دولة البحرين عبر الأجيال وهي لا تقوم على الطبخ.

أما في المملكة العربية السعودية فيكون تخزين التمور ببناء “الجصّة” نسبة إلى المادة الرئيسة لصنعها وهي “الجِصّ”، أو الطين المنقّى من الشوائب وتبنى داخل المنزل في ركن مخصص لها لتملأ بالتمر وهي صغيرة الحجم تقريبا في طول الإنسان وتترك فيها فتحة في متناول اليد يصنع لها باب من الخشب ينزّل منها التمر المعد للحفظ بعد تجفيفه وتنظيفه ويرص داخلها على دفعات ثم يرش بالماء ليحافظ على ليونته عند الاستهلاك وتغلق بإحكام ليخرج منها التمر وقت الحاجة.

ورغم التطور الحاصل اليوم في وسائل التخزين والتبريد في جميع الدول العربية وظهور طرق جديدة مثل التجميد في الثلاجات حيث يوضع التمر في أكياس بلاستيكية خاصة بالغرض إلا أن العديد من المجتمعات العربية سواء في دول الخليج أو دول المغرب العربي ما تزال متمسكة بطرق الخزن التقليدية للتمور لسببين؛ أوّلهما التمسك بالتراث والعادات والتقاليد وثانيهما إدراكهم عبر التجربة أن طرق تخزين التمر التقليدية التي تعتمد وسائل وأوان طبيعية أثبتت جدواها ونجاعتها في حفظ التمور لفترات زمنية طويلة بشكل صحي ودون إخلال بمذاقها.

12