وسائل الغش في امتحانات الكويت.. السر في آذان الطلبة

يبدو أن وسائل الغش التقليدية في الامتحانات أصبحت من الماضي في ظل التطوّر التكنولوجي المتسارع، والذي تطوّرت معه طرق الغش بأساليب مبتكرة ومتنوعة أدت إلى عجز المراقبين والمسؤولين في مراكز الاختبارات عن مراقبة الامتحانات وتفتيش الطلاب، وازداد الأمر خطورة مع توظيف الأدوات والوسائط التكنولوجية المعقّدة في الغش واستغلال إمكاناتها العديدة في تسهيل الحصول على الإجابة السهلة عن أسئلة الامتحانات بشكل غير شرعي، مما يدعو وزارات التعليم إلى ضرورة التفكير في كيفية التصدي لهذه الموضة الجديدة.
الخميس 2017/05/18
النجاح لا يحدد من اجتهد ومن لم يجتهد

الكويت - الامتحانات على الأبواب، ينكبّ طلبة الثانوية والجامعات في الكويت على السهر في غرفهم المغلقة إلى وقت متأخر من الليل، وحين يسألونهم أولياء أمورهم عن هذا الإجهاد، يجيبون أن الامتحانات على الأبواب، إجابة قد ترضي الوالدين، فيكثران من الدعاء بالتوفيق والنجاح دون أن يعلما حقيقة ما يدور في أذهان أبنائهما وبناتهما.

هناك من الطلبة والتلاميذ من يجهد نفسه في مراجعة دروسه والتركيز على مواد الامتحانات أملا في أن تمر بسلام ويكرم كل من اجتهد، مقابل شق آخر من الطلبة الذي يقضي كل فترات السنة في اللعب ليأتي قبل أيام من موعد الاختبارات فتجده يركز على ابتكار طريقة غش تجعله يمر إلى السنة الموالية من الدراسة دون عناء، ثم تجده يتباهى بأنه يرتقي في السلم التعليمي دون إجهاد، ويعتبر ذلك ذكاء حادا منه.

ولأن وسائل الغش التقليدية، كالكتابة على الجسد أو الحائط أو الطاولة أو في ورقة مصغّرة، أصبحت موضة بالية، اتجه هؤلاء إلى الوسائل التكنولوجية مع ظهور الهاتف الجوال والبلوتوث، لكنه سرعان ما وقع منع الهاتف من مراكز الامتحانات.

الغش موضة متفشية حتى أصبح من لا يستعمل وسائل التكنولوجيا للنجاح غير الشرعي في الامتحانات معقدا ومتخلفا

تسارع التطور التكنولوجي مكّن الطلبة الكسولين من حلول أخرى للحصول على إجابات للامتحانات بطرق غير شرعية، وذلك بتوفير معدّات حديثة كسمّاعات الأذن اللاسلكية التي تتيح لمستخدمها سماع الصوت وإرسال رسائل سرية دون أن يكشفها المراقبون، ويمكن لهذه السماعة أن ترتبط بأيّ جهاز محمول يعمل بخاصية البلوتوث أو أيّ جهاز آخر خارج نطاق لجنة الامتحانات.

وهناك سماعة صغيرة جدا يصل حجمها إلى 3.5 ملم تتوافق مع مشغلات الإم بي ثري، وأجهزة الآي بود، وتتكون من سماعات لاسلكية صغيرة، وكابل دائري يلتف حول العنق أسفل الملابس، ويتصل بالآي بود الملتصق بمعصم اليد، هكذا يتمكّن الطالب من تشغيل وإيقاف الآي بود والبحث عن الإجابات، بينما يسمعها عن طريق السماعات اللاسلكية وبشكل واضح.

وفي الكويت، كما في أغلب دول العالم انتشرت ظاهرة الغش في الامتحانات حتى أصبحت موضة متفشية في أوساط طلبة الثانوي الذين انقلبت المعادلة لديهم بوصفهم لمن لا يستعمل وسائل التكنولوجيا في الغش بأنه معقد ومتخلف، لأنه يجهد نفسه بالدراسة في حين يمكنه أن يحصل على النجاح بمجرد شراء جهاز اتصال حديث يوفر له كل ما يريد من المعلومات.

تجار الغش

ترتبط ظاهرة الغش بأطراف أخرى وأشخاص يوفرون الأجهزة الإلكترونية للطلبة لتصبح سوقا رائجة للذين يبحثون عن الربح السريع عبر إغراء الطلبة بالنجاح السهل دون عناء المذاكرة.

وانتقلت بذلك وسائل الغش في الامتحانات بالكويت من ظاهرة سلبية، تحاول وزارة التربية مواجهتها والحدّ منها، إلى تجارة رائجة في تكنولوجيا متطوّرة مع اقتراب امتحانات المرحلة الثانوية، المقررة الأحد المقبل.

ويؤكد عدد من الخبراء ورجال التعليم في الكويت أن الغش في الاختبارات بات ظاهرة في مؤسسات التعليم سواء التعليم العام أو الأكاديمي، وأرجع الخبراء ذلك إلى دور الأسرة في تحفيز هذه الظاهرة السلبية وتنميتها في أبنائهم منذ الصغر.

ابتكارات العلماء تستعمل في غير محلها

وضربت حُمّى الإعلان عن وسائل الغش الإلكترونية مواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات الإلكترونية، في محاولة لتحقيق مكاسب مالية لمروجيها على حساب مستقبل الطلبة ومستقبل المجتمع بأكمله.

وتروّج عدة إعلانات تلعب على وتر النجاح وحصد الدرجات العالية دون عناء، لسماعات تحت مسميات مختلفة منها “السماعة السحرية” و”لا تفوتك السماعة حق الامتحانات” و”السماعة التي تريحك بالامتحانات” و”سماعة الغش”.

وتتحدث تلك الإعلانات عن مزايا تلك السماعات التي تشبه المغناطيس وهي الأصغر حجما في العالم ولا يمكن رؤيتها ولا اكتشافها بجهاز كاشف المعادن ووضوح صوتها مئة بالمئة، كما أن حجمها يشبه حجم حبة الأرز، ويتم وضع الشريحة بداخلها ولا تحتاج أن يتصل مستخدمها بالشخص الآخر لأنه فور اتصال الشخص سيفتح الخط تلقائيا دون أي ضغطة زر.

وأبرز هذه الوسائل المتداولة، بحسب الطالب محمد .ع، الذي فضّل عدم الإفصاح عن اسمه كاملا، “سماعة الأذن ميغا نانو المطوّرة والتي لايستطيع أحد رؤيتها، تدخل في الأذن ويتم إخراجها بواسطة ذراع مغناطيسي”.

ويضيف محمد أن هناك سماعة المغناطيس وتتكون من ثلاثة أجزاء، الجزء الأول يتكوّن من قطعتين توضعان داخل الأذن بحجم حبة العدس بحيث لا ترى حتى بالتدقيق، ولا تخرج من الأذن إلا بواسطة مغناطيس، والجزء الثاني عبارة عن سلك بشكل دائري يوضع حول الرقبة تحت الملابس وهو قليل السماكة بحيث لا يظهر، ويكون موصولا بسلك بلوحة إلكترونية مغلفة صغيرة الحجم يمكن وضعها بأيّ مكان، أما الجزء الثالث فهو عبارة عن شريحة إلكترونية صغيرة الحجم مع بطارية موصلان بهاتف ويمكن وضعهما في الحذاء مثلا.

وهناك أيضا النظارة الذكية، وهي نظارة تستقبل وترسل البيانات، وكارت البنك المطوّر وهي عبارة عن شريحة هاتف موجودة داخل فيزا كارد، تستخدم للتواصل خلال الامتحان، والقلم الإلكتروني الذي يمكّن الطالب من الكتابة به على أيّ مكان ولا يُظهر أيّ شيء من الكتابة، ويباع مع هذا القلم ضوء يشبه جهاز الليزر بمجرد تسليطه على مكان الكتابة تظهر، وبمجرد إغلاق الضوء تختفي.

وهناك أيضا “البوكس العجيب”، مع سماعات “ميني نانو”، فضلا عن استخدام التطبيقات الإلكترونية في الحصول على المعلومة عبر الهاتف خلال الاختبار و”الساعة الإلكترونية”.

ويخفي الطلبة السماعات الحديثة بدقة متناهية بحيث يستحيل تفتيش كل آذان الطلبة، وإلا فستصبح عملية التفتيش مشهدا كاريكاتيريا مضحكا.

وقال محمد، إن الأسعار أخذت بالارتفاع مع اقتراب موعد الامتحان، لتتراوح بين 35 دينارا (112 دولارا) و40 دينارا (128 دولارا) بعد أن كانت أيام الدراسة الاعتيادية بين 10 دنانير (32 دولارا)، و20 دينارا (64 دولارا).

أما عبدالرحمن جابر، وهو طالب في الثالثة الثانوي، فيشير إلى إن مروجي هذه الوسائل يلجأون إلى استخدام كلمات جاذبة للطلبة في إعلاناتهم مثل “الكمية محدودة” و”أسرع للشراء” و”شاحن بجودة عالية” و”ضمان الجودة” و”شرط التجربة قبل الشراء” و”إمكانية التوصيل لجميع المناطق”.

وأضاف جابر، أن البعض من المروّجين يستغلون هذه الفترات والطلبة ذوي المستويات التعليمية الضعيفة لكسب الأموال من خلال عرض دخول مجموعات غش في التطبيقات الإلكترونية مقابل 20 دينارا للطالب.

وأوضح أن “هذا العرض يدخل ضمنه استعراض الاختبار على الهاتف بعد 10 دقائق من دخول اللجنة لأداء الاختبار، فيما يعرض البعض هذه الخدمة دون مقابل لجذب عدد أكبر من الطلاب كسبا لثقتهم ثم استغلالهم مستقبلا ماديا”.

الغش موضة متفشية حتى أصبح من لا يستعمل وسائل التكنولوجيا للنجاح غير الشرعي في الامتحانات معقدا ومتخلفا

إجراءات صارمة

الكثير من المدارس حول العالم أنشأت غرف مراقبة متطوّرة مزوّدة بكاميرات ووسائل حديثة لمجابهة الغش الإلكتروني، حيث تضطر إدارات المدارس إلى استحداث أنظمة لكشف حالات الغش باستخدام التكنولوجيا وذلك بوضع جهاز يمكنه كشف جميع الأجهزة الإلكترونية التي بحوزة الطلاب من أجهزة هواتف وسماعات وغير ذلك، وذلك من خلال ذبذبات يرصدها الجهاز ويكشف ما لدى الطالب منها، مما يسهّل على المراقبين عملية الضبط.

لكن إدارات التعليم كلما اكتشفت صورة من صور الغش التكنولوجي تجد بالمقابل طلبتها يجتهدون لإيجاد طرق جديـدة من طرق الغش بمساعدة تجار النجاح السهل للبدء في استخدامها مع إطلالة كل فترة امتحانات.

ويؤكد وكيل وزارة التربية المساعد للتعليم الخاص والنوعي في الكويت عبدالمحسن الحويلة “استعداد المدارس كافة وتجهيزها لاستقبال الطلاب للقيام باختبارهم الأول الأحد المقبل”.

وأضاف الحويلة أن “مدارس التعليم الخاص تطبّق لائحة الغش المعتمدة من قبل وزارة التربية، وتستخدم كل الإجراءات اللازمة لمنع الغش في الاختبارات”.

وأوضح أن “حالات الغش في التعليم الخاص ليست كبيرة جدا، حيث يدرس الطلاب ويحاولون إنهاء مناهجهم في وقت كاف قبل وقت الاختبار، كما يحرص أولياء الأمور على منع أبنائهم من الانخراط بمثل هذه الأمور”.

التكنولوجيا تهزم الرقابة

من جهتها، أعلنت وزارة التربية أن “المدارس ستستخدم أجهزة تشويش في الصالات الكبيرة فقط، كما سيمنع دخول الهواتف النقالة إلى اللجان، إضافة إلى استخدام أجهزة التفتيش اليدوية عالية التقنية”.

وقال عادل الراشد، مدير الشؤون التعليمية في منطقة الأحمدي التعليمية (جنوب)، إن “دخول الهاتف النقال إلى اللجنة يعدّ ضمن لوائح الغش، وبالتالي يؤدي لحرمان الطالب الذي يدخله من درجة الاختبار ودرجات الأعمال، ويكتب فيه محضر غش، ويعرض الطالب لدخول اختبار الدور الثاني”.

وأشار إلى أن “عدد حالات الغش في منطقة الأحمدي التعليمية خلال الفصل الدراسي الأول بلغ 400 حالة غش”.

وتعتبر الاختبارات النهائية فترة حاسمة تحدّد مصير الطلاب والطالبات، وترافقها مشاعر الخوف والقلق وحبس الأنفاس من الإخفاق والفشل، ولهذا يلجأ البعض من الطلبة للاستعانة بالغش، خاصة في المواد الصعبة لتجنّب الرسوب.

معصومة المطيري، الأستاذة في قسم علم النفس التربوي بجامعة الكويت، قالت، إن “للغش بين الطلاب أثناء فترة الاختبارات أسبابا عدة لكنها، لا تبرره وفي الوقت نفسه خلف انتشار هذه الظاهرة”.

وأوضحت المطيري أن من أسباب الغش “الخوف من الرسوب الذي يدفع الطالب إلى الغش ليحصل على درجة النجاح حتى لو كانت الوسيلة للوصول إلى هذه الدرجة خاطئة، وكذلك غياب الرغبة الحقيقية في تحقيق الهدف الأكاديمي، وذلك لأن الطالب يريد اجتياز هذه المرحلة فقط دون الطموح في الحصول على معدل يدفعه لإكمال مسيرته العلمية”.

وأشارت إلى أن “صعوبة المادة العلمية التي قد لا تتناسب مع القدرات الفردية تدفع البعض من الطلاب إلى استخدام هذه الوسيلة”، داعية الطلبة إلى الابتعاد عن أساليب الغش والاعتماد على النفس والثقة فيها.

20