وساطة أم انحياز مصري في غزة

الاثنين 2014/07/21

لست في حاجة للتذكير بالأبعاد الاستراتيجية التي تمثلها غزة لمصر، ولست بحاجة أيضا لتأكيد الروابط التاريخية بين الشعبين المصري والفلسطيني، لكن ما حدث من تشكيك متعمد من قبل حركة حماس والمؤيدين لها، لأسباب أيديولوجية أو انتقامية، يستدعي الوقوف بالتفسير والتحليل عند طبيعة الدور الذي تقوم به القاهرة في العدوان الإسرائيلى الغاشم على قطاع غزة، وما ترتب عليه من خسائر متعددة، في البشر والحجر والقضية الفلسطينية برمتها.

خلال الأيام الماضية تواتر كلام مرسل بأن مصر قدمت مبادرتها لوقف إطلاق النار في غزة خدمة لإسرائيل، وطرحتها دون مشاورة مع حماس، وزعم هذا الفريق أن الهدف وأد المقاومة، وهذه مغالطات ثلاث، غرضها التشويش على التحركات السياسية التي تقوم بها مصر، ومحاولة توريطها في صراع غير متكافئ في ميزان القوى، والسعي لاستعادة حماس لجزء من العافية، التي فقدتها بفعل أخطائها الفادحة، وتمهيد الطريق لدخول أطراف، مثل تركيا وقطر على الخط بمبادرات لتحجيم الدور التاريخي لمصر في هذه القضية.

الرد على المغالطات الثلاث يستوجب التأكيد على أن مصر طرف منحاز للفلسطينيين وقضيتهم العادلة، وليست وسيطا بينهم وإسرائيل، فهي عنصر مهم وفاعل دائما، ولم تقف في أي وقت إلى جوار إسرائيل أو تدعمها في عدوانها الذي تشنه من حين لآخر، وتضحياتها معروفة، وأطلقت مبادرتها لأنها تدرك حجم الدمار المتوقع من وراء العمليات العسكرية، فأي خدمة هنا يمكن أن تقدم لإسرائيل؟ وهي التي تتحكم في مفاتيح الأمور، سلما أو حربا، في حين الخدمة الحقيقية تكمن في تخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطيني في غزة، والتي جلبتها إليه حماس، جراء تكريس هيمنتها على القطاع.

من جهة ثانية، وصل الخداع والتضليل وقلب الحقائق حدا مؤسفا، حيث ادعت حماس أنها لم تستشر في بنود المبادرة المصرية، بينما مندوبها موسى أبو مرزوق، نائب رئيس المكتب السياسي للحركة والمقيم في القاهرة منذ فترة، كان على علم بتفاصيلها وجرى التشاور معه في بنودها، وقدم موافقة مبدئية عليها، لكن بعد ساعات تدخلت أطراف إقليمية ودولية وضغطت على قيادة حماس فتغير موقفها للضفة المقابلة، وجاء الرفض بذريعة أن المبادرة أقل من تطلعات الحركة، مع أن بنودها لا تقل، إن لم تزد لصالح حماس، عما احتوته المبادرة (التفاهمات) التي تبنتها مصر عام 2012، أي إبان حكم الإخوان، ويومها لم تكن نذر الانتقام الإسرائيلي بهذه الدرجة من القسوة، لكن ما تغير هو حسابات الحركة، والدور الغامض الذي تريده وحلفاؤها لمصر.

من جهة ثالثة، الكلام عن قتل المقاومة الفلسطينية لصالح إسرائيل ينطوي على مغالطات فجة، لأن مصر تقف دوما مع حماس، شريطة أن تكون ملتزمة بالثوابت الفلسطينية، ولا تستسلم لتقديرات حركية قصيرة، فقد انحرفت في بعض الأوقات عن المسار الوطني، ورضخت لحسابات ضيقة، يتم توظيفها خدمة لأهداف سياسية، تضر بالمصالح العليا للقضية الفلسطينية، ولماذا نذهب بعيدا وهناك اعترافات من قادة حماس بأن جزءا كبيرا من الأسلحة التي كانت تذهب لغزة تم تسريبه عبر الأنفاق، بعلم الأجهزة الأمنية المصرية، لأن من مصلحة القاهرة استمرار المقاومة الشريفة، وإذا كانت جميع المنافذ مسدودة من ناحية إسرائيل، برا وبحرا وجوا، فمن أين امتلكت المقاومة كل هذه الصواريخ التي تطلق على العمق الإسرائيلي؟

الإجابة ببساطة من مصر، التي لم تعجز في أي وقت عن غلق منافذها فوق الأرض وتحتها، لكن كانت تغض الطرف عن تهريب الأسلحة دعما للمقاومة الوطنية، حيث تدرك في النهاية دورها في خدمة القضية الفلسطينية، ذات العلاقة الوثيقة بالأمن القومي المصري.

بالتالي من الصعوبة الاقتناع أن مصر طرف وسيط فقط، بل هي منحازة وبقوة إلى جانب الشعب الفلسطيني، المشكلة أن حماس تخدع الرأي العام بأنها والشعب كيان واحد، من هنا يأتي أحيانا اللبس أو سوء الفهم من قبل قطاعات في الشارع العربي، وقد تضاعف المشكلة في ظل ثلاثة محددات أساسية، ساهمت في ظهور الفتور أو التباعد بين القاهرة وحماس، والذي لم يختف على مدار السنوات الماضية، ومع ذلك لم تكن مصر بعيدة عن الحركة، كما هو حاصل الآن.

المحدد الأول، حدوث تغير في مزاج المصريين عموما من حماس، بسبب الاتهامات التي تلاحقها بخصوص عبثها بالأمن المصري، بعد ثورة يناير 2011، ودعمها حماقات الإخوان السياسية، وما كادت أن تفضي إليه من مشكلات تمس صميم الأمن القومي، لذلك تغير مزاج فئات كثيرة من المواطنين، ولا يتناسب رد الفعل الشعبي مع المجازر التي ترتكبها إسرائيل، بينما في زمن سابق لم يهدأ الشارع المصري، حال حدوث عدوان، ولو محدود على غزة أو أي من المناطق الفلسطينية الأخرى.

المحدد الثاني، ارتفاع سقف المزايدات السياسية والإعلامية، بشكل صوّر المسألة على غير حقيقتها، حيث شنت الآلة “الحمساوية” ومعها آلات قطرية وتركية حملات منظمة على مصر لتشويه دورها القومي، وصورتها على أنها “عرّاب إسرائيل”، مع أنها أثبتت عمليا انحيازها للجانب الفلسطيني، لكن لأن هذه الأطراف تريد إبعادها عن القضية، ولها مآرب أخرى، فتعمد الجميع وضع العراقيل أمام تحركاتها، أملا في تفشيل دورها.

المحدد الثالث، التقديرات المصرية تقوم على الحقائق وليس العواطف، والأولى تقول إن موازين القوى واضحة لصالح إسرائيل، بالتالي من العبث الدخول معها في حرب ممتدة ومفتوحة في غير زمانها، وحتى لو كانت حماس لديها حزمة أهداف لتحريك الموقف، عليها أن تكون منضبطة ولا تغالي في طموحاتها لدرجة التهلكة، فترمي بآخر أوراقها، ويبدو أن قراءتها لا تختلف عن القراءات الإخوانية الافتراضية والمعاندة والتي خبرناها في مصر، وقادت جماعة الإخوان لمصير مجهول، ويبدو أيضا أن حماس تريد تكرار هذا السيناريو في غزة، فالشعب الفلسطيني الذي صبر عليها لسنوات لم يعد يتحمل المزيد من التضحيات لأغراض حركية.


كاتب مصري

8