وساطة الخائفين على إيران!

الغزو الأميركي تمسك بالقادة الذين منحهم الجمل بما حمل وهو عالمٌ بأنهم جياع مال وسلطة ومتيقنٌ من أن ولاء أكثرهم وأقواهم هو ولاء لدولة إيران الطائفية الطامعة في العراق وموقعه وثرواته.
الخميس 2021/02/25
الولاء والأولوية لنظام الملالي

لم يصادف على امتداد التاريخ البشري الطويل العريض أنْ حدَث غزو خارجي لأمة من الأمم، ثم بحث الغزاة عن أشرف رجالها وأرجلهم وأشجعهم وأعلمهم وأكرمهم وأصدقهم وطنيةً وأكثرهم استقامةً ونزاهة ليجعلوه معتمدهم ووكيلهم الذي يعاونهم على حكم الوطن المحتل وترويض شعبه المستباح.

بل كان أولَ مَن يبحثون عنه هو الخسيسُ الجاهل الجائع المعروف، منذ نعومة أظافره، باستعداده للخيانة والظلم والسرقة والاحتيال، فينصبونه زعيما ورئيس حزب وقائد ميليشيا، ويُسهلون له سبل الاختلاس والنهب والسلب ليصبح من أصحاب الثروات الطائلة التي تساعده على استئجار أعوانه المتمرسين في إعانة الظالم على ظلمه، والسارق على سرقاته، والقاتل على القتل، والمتوافقين مع من بيده الحكم والثروة والسلاح على الإثم والعدوان.

والعراق مثال فريد في ذلك. فمنذ أن دخل المغول عاصمته بغداد بقيادة هولاكو سنة 1258 ميلادية ودمروها وقبضوا على خليفتها العباسي المستعصم بالله وقاموا بركله بالأرجل إلى أن مات، وهو على هذه الحال. يدخله غزاة، ويخرج منه غزاة.

وفي عصرنا الحديث ومنذ إسقاط الدولة العراقية سنة 1958، وقتل العائلة المالكة برمتها، وتعليق جثة الوصي عبدالإله على واجهة وزارة الدفاع، وسحل جثة الباشا نوري السعيد في الأزقة والشوارع والحواري، والشعبُ العراقي يصحو على انقلاب، ثم يمسي على انقلاب، ويموت قادتُه الواحد بعد الآخر حرقا أو خنقا أو شنقا حتى يومنا الأسود هذا.

وتعرفون الحكاية من أولها وبكل تفاصيلها. فقد تمسك الغزو الأميركي بالقادة الذين منحهم الجمل بما حمل، وهو عالمٌ بأنهم منافقون مزوّرون وجياع مال وسلطة، ومتيقنٌ من أن ولاء أكثرهم وأقواهم هو ولاء لدولة إيران الطائفية الطامعة في العراق وموقعه وثرواته، وأن ولاءَ الباقين منهم لدول ولأجهزة مخابرات أجنبية أخرى عديدة ومتنوعة.

ثم ورث الغزو الإيراني رفيقه وحليفه الأميركي، فزاد من احتضانه ورعايته وحمايته لقادة العملية السياسية جميعهم، شيعة أولا، وثانيا سنة وكردا، ممن لا يَعرف عنهم عفة ووطنية وشهامة وخلقا رفيعا، فنصَّبهم رؤساء ووزراء وسفراء وقضاة وقادة جيوش. وجعل عليهم سيدَهم قاسم سليماني لقيادتهم وتوجيههم وضبط حركاتهم وسكناتهم وبلا حدود.

والمعروف أنه كان يعلم بسرقاتهم وتعدياتهم ومظالمهم، فيتستر عليها، ويشجعهم على ارتكابها، ويمسك عليهم وثائقها وملفاتها ليجعل منها حبالا يربط بها رقابهم ويستخدمها لخنقهم عند حاجته لذلك.

ولو استعرضنا سجلّ كل واحد من قادة العراق منذ العام 2003 وحتى اليوم، لتأكد لنا أن أكثرهم عبيد مستأجَرون على خراب ديارهم وإفقار محافظاتهم وإذلال مواطنيهم لإرضاء السيد المطاع القابع وراء الحدود.

وآخر ما في هذا الوطن العراقي الحزين من مضحكات ومبكيات خروج واحدٍ من أصحاب البيت الشيعي الحاكم هو عمار الحكيم ليحذر واشنطن “من الآثار الكارثية والخطيرة التي ستطال العراق نتيجة ممارسة الولايات المتحدة لسياسة خنق إيران حكومة وشعبا”، ويدعو الحكومة العراقية إلى تقديم مبادرة وساطة بين الطرفين.

وقال عمار الحكيم الذي كان والده عبدالعزيز الحكيم الأجرأَ من سواه من الموالين لولاية الفقيه ليطالب علنا قبل وفاته بإرغام العراق على دفع تعويضات لإيران عن خسائرها في حرب الثماني سنوات، قال “إن سياسة تصفير الصادرات النفطية الإيرانية التي تبنتها الولايات المتحدة تعني الانتقال من سياسة الضغط إلى سياسة الخنق لإيران ودولتها وشعبها، وسيكون لهذا المنحى آثارٌ كارثية وخطيرة على المنطقة عموماً وعلى العراق بشكل خاص، وهنا على العراق أن يعي هذه التطورات الخطيرة ويتخذ المواقف المسؤولة لتجنب الكارثة”.

ثم شدد على ضرورة انتقال العراق “من سياسة الوسط إلى سياسة الوسيط الذي يسعى إلى تخفيف حدة الصراع”.

إذن فعمار الحكيم وهو أحد أخلص الموالين لإيران لا يطالب بوساطة بين الشعب العراقي المستباح وبين خنّاقه الإيراني، بل بين الولايات المتحدة وإيران، وأيضا لا يطالب بتحرير الوطن العراقي وأهله من احتلال أشقائه الإيرانيين، ولكن فقط لنجدة نظام الملالي قبل أن يختنق. فهل هناك ما يمكن أن يقال عن مثل هذا اللغو والهذيان؟

9