وساطة باهتة لا تضمن حلولا لأزمة الحدود بين السودان وإثيوبيا

جوبا تسعى لدور ذو تأثير في شرق أفريقيا من خلال العلاقة الوطيدة مع الخرطوم والهادئة مع أديس أبابا.
الأحد 2021/01/17
البحث عن طريق لاختراق الأزمة الحدودية

الخرطوم - تواجه جهود الوساطة التي أعلنت عنها جوبا بين السودان وإثيوبيا على خلفية الأزمة الحدودية بين البلدين، تحديات متعددة، في ظل تعقيدات الموقف الحالي الذي يبدو فيه السودان متوافقا بين شقيه المدني والعسكري، في مواجهة رغبة إثيوبية جامحة تريد حرف الأنظار عن أزمة الحدود.

وقال قائد الجيش الإثيوبي الجنرال بوهانو جولا السبت، إن بلاده لن تحارب السودان، “ليست بحاجة للحرب بأي حال من الأحوال، لكن هناك من لديهم مصالح في إشعال الفتنة ودق طبول الحرب بين البلدين”.

وأعلن رئيس الحكومة السودانية عبدالله حمدوك مساء الجمعة، قبوله مبادرة وساطة تتبناها دولة جنوب السودان، عقب لقائه في الخرطوم دينق آلور، كمبعوث من الرئيس سلفا كير ميارديت.

ولم تعلن أديس أبابا موقفا معلنا ومحددا منها، لكنه من المتوقع أن تُرحب بها نظريا لإعادة ترتيب أوراقها السياسية، والتعرف على نقاط ضعف الجيش السوداني.

ورغم تراجع لهجة التصعيد في الخطاب الإثيوبي اليومين الماضيين، غير أن أديس أبابا استمرت في تحميل طرف ثالث لم تسمه، مسؤولية إشعال الأوضاع على الحدود، وهو ما يضع متاعب أخرى أمام وساطة جنوب السودان، التي قد تجد نفسها أمام موقف يدفع باتجاه إفراغ النزاع من مضمونه الحقيقي وإدخاله في دائرة إقليمية أكبر.

ونجحت وساطة جوبا السابقة في التوصل إلى اتفاق سلام بين الجبهة الثورية والسلطة الانتقالية في الخرطوم، وهي تختلف عن الوساطة الحالية، لأن علاقتها القوية بقادة الجبهة الثورية مكنتها من تحقيق النجاح، عبر الحصول على تنازلات من الطرفين.

خالد الفكي: الوساطة قد تصطدم بموقف الخرطوم التي ترى أنها ليست في نزاع
خالد الفكي: الوساطة قد تصطدم بموقف الخرطوم التي ترى أنها ليست في نزاع

تبدو السلطة الحاكمة حاليا في السودان غير راغبة في تقديم تنازلات تؤدي إلى استمرار وجود القوات الإثيوبية على أراضيه، وأديس أبابا غير مستعدة للتخلي عن دعم الميليشيات المسلحة المعروفة بـ”الشفتة”، والتي أحكمت سيطرتها على هذه الأراضي على مدار 25 عاما.

ويؤثر استمرار توتر الأوضاع الأمنية والسياسية في دولة جنوب السودان على حركتها، ويجعلها مكبلة بقيود يمكن أن ترخي بظلالها القاتمة على فرص انخراطها في جهود وساطة مثمرة، وفي قضية معقدة ولها جذور إقليمية عديدة.

تتلمس جوبا خطواتها ببطء الآن، ولم تقدم تصورات واضحة ومحددة لطبيعة المهمة التي يمكن أن تقوم بها، ولعل اقتصار التحركات المعلنة على التواصل مع السودان فقط يوحي بأن هناك أزمة على الجانب الآخر.

ولم يعلق المكون العسكري داخل مجلس السيادة السوداني بالموافقة أو الرفض على الوساطة، وقد يقبل بها، إذا ضمن بقاء الجيش داخل الأراضي التي استردها خلال الأيام الماضية، وهي العقدة التي تعتري أي جهود وساطة من جوبا أو غيرها.

وقال المحلل السياسي السوداني خالد الفكي، إن “الرئيس سلفاكير يهدف إلى أن تكون دولته ذات تأثير في منطقة شرق أفريقيا، حيث تمتلك علاقات متوازنة مع غالبية دولها، وبحكم العلاقة الوطيدة مع الخرطوم، والهادئة مع أديس أبابا، يتصور إمكانية أن يقوم باختراق في جسم الأزمة الحدودية”.

وأضاف لـ”العرب”، أن “وساطة جوبا هذه المرة قد تصطدم بموقف الخرطوم نفسها، التي ترى أنها ليست في نزاع يستدعي التفاوض أصلا مع أديس أبابا، باعتبار أن الجيش بسط سيطرته على أراض سودانية خالصة”.

وأشار إلى أن الوساطة الحالية غير ذي جدوى أو قيمة كبيرة، وربما تكون عاملا مساعدا على إزالة سوء الفهم والاحتقانات السياسية، لكن على المستوى العسكري الجيش حسم أمره وسيطر على نسبة 98 في المئة من المنطقة التي وقعت تحت سيطرة إثيوبيا فترة طويلة.

وقالت مصادر سوادنية لـ”العرب”، إن الخرطوم قامت بتنوير غالبية دول الجوار بشأن مجريات الأحداث على الحدود، وهناك جهود وجولات عديدة سابقة لتكريس الرؤية السودانية لأي وساطة متوقعة.

وتوجه نائب رئيس مجلس السيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي” السبت، إلى دولة تشاد في زيارة تستغرق يوما واحدا، رافقه خلالها وزير الخارجية المكلف عمر قمرالدين، ومدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول ركن جمال عبدالمجيد، استكمالا لجولات سودانية سريعة لدول الجوار.

وكشفت المصادر ذاتها، أن التوافق بين المكونين المدني والعسكري داخل السلطة الانتقالية ظهرت تجلياته في مجمل الزيارات الخارجية الأخيرة، حيث يتشارك فيها الجانبان، ما يقلل من فرص العزف على أي تباين محتمل بينهما، وسد المنافذ التي يمكن أن تستغلها قوى مناوئة للسلطة الحالية لتوجيه المزيد من السهام لها.

وتعمد السودان إلى توصيل رسالة مباشرة إلى إثيوبيا، مفادها أن هناك توافقا شعبيا وسياسيا وعسكريا حول تحركاته، وأي وساطة إقليمية يجب أن تراعي هذا الإجماع.

وأكد عضو مجلس السيادة الانتقالي محمد الفكي، أحد المحسوبين على التيار المدني داخل المجلس، أن قرار استعادة الأراضي السودانية “سياسي وليس عسكريا”.

وتخشى دوائر سودانية دخول الاتحاد الأفريقي على خط الوساطة، الذي يقع مقره في أديس أبابا، ويميل أحيانا إلى تبني رؤية إثيوبيا، وفي هذه الحالة سيجد نفسه في موقف حرج، فوثائقه تؤكد عدم تغيير الحدود بعد استقلال دوله، بينما تريد إثيوبيا ترسيم خارطة جغرافية على مقاسها السياسي.

ولفت أستاذ العلوم السياسية بجامعة أفريقيا العالمية محمد خليفة صديق، إلى أن خضوع الاتحاد الأفريقي للموقف الإثيوبي يجعل أي جهود تأتي تحت مظلته غير مفيدة، حيث يتهم مسبقا بالانحياز، خاصة أن خطواته أصبحت ثقيلة بعد فشله في تحقيق تقدم في ملف سد النهضة.

كما أن منظمة “إيقاد” المعنية بحل أزمات دول شرق أفريقيا، ويرأسها حمدوك، ليست قادرة على التحرك، وسط ضغوط تمارسها أديس أبابا على هياكلها المختلفة.

وشدد صديق في تصريح لـ”العرب”، على أن “تحرك جوبا، إذا جاء من هذا المنطلق، سيكون سلفاكير مطالبا بالإعلان عن حصوله على دعم إقليمي صريح، وهو أمر لم يتوافر، ويواجه بتحديات جسيمة، في ظل حيرة بعض الدول المجاورة حيال الصراع”.

وقد يكون توقيت مبادرة جوبا مناسبا وسط التصعيد بين البلدين، لكن ترتيبات وتفاصيل الخطوة ستواجه بمشكلات على الأرض، فهناك يقين سوداني بأنه جرى حسم الأمر عسكريا وقانونيا، وأمنيات لدى إثيوبيا أنها قادرة على خوض حرب طويلة.

3