وساوس الكاتب ومخاوفه

الاثنين 2016/01/25

ينطلق الأديب في أدبه من تصوراته ورؤاه وشكوكه في واقعه وعالمه، لا يحاول تقديم إجابات بقدر البحث عنها، يحرض للتفكير في مختلف القضايا والمواضيع، يدفع للنبش بين ثنايا الكلمات، وطيات المعاني، لاستخراج المبتكر والمتخيل منه، ولا يفرض رأيه بقدر الرغبة في إثارة النقاش، والدفع إلى تظهير الأفكار ومقاربتها.

هكذا تكون ذات الكاتب تمثيلا لذات القارئ، وتعبيرا عن هواجسهما معا، أي يقوم الكاتب بتجسير المسافة بينه وبين الآخر من خلال التفكير بهواجسه، فالقلق الوجودي الذي ينتاب الإنسان يتسم بامتدادية وتجاوز، ويتصف بنوع من العمومية مع اختلافات بين شخص وآخر.

ينبه الكاتب قارئه إلى خوف الإنسان من مواجهة ذاته ووساوسه، ومقابلة مخاوفه واكتشافها، وكأن الوقوف أمام مرايا الذات يفضحها، أو يعلن لها حقيقتها ويكشفها للملأ، وهنا يتداخل الشخصي مع العام، والذات مع الآخر، فيكون المرء انعكاس ذاته وآخره معا، وخوفه ما هو إلا خوف منتشر بين ثنايا الكلمات والأفعال والصور.

ينبه الكاتب إلى ضرورة انعتاق الإنسان من أسر أناه، وأنانيته، والانفتاح على فضاء العالم الشاسع، بعيدا عن الاهتمام بما يحبّ فقط، والتقيد به، وإلا سيكون مندرجا تحت مسمّى الغباء، لأن ما يحبه يعكس رغبته فقط، في حين أن العالم يثرى بالتنوع والاختلاف، ويتجدّد بحبّ الآخرين أيضا ورغباتهم ومساعيهم للاكتشاف.

كان الأرجنتيني أنطونيو بورشيا (1885 – 1968) في شذراته “أصوات” مثال الأديب المهموم بأوجاع الإنسانية بالمطلق، يعرف الوجع في إحدى شذراته قائلا إنه “لا شكل للوجع الإنساني حين يكون نائما، فإذا أوقظ اتخذ شكل من أيقظه”. وهنا يشير إلى جانب التسبب في الأوجاع للآخرين، وكيف أن الوجع يرتبط بمن يثيره، ويحركه، ويفعله، ويعمقه، ويكون لعنة مزدوجة بمعنى ما، لصاحبه من جهة وللمتسبب فيه أكثر، من جهة ثانية.

يصوّر بورشيا نوعا آخر من الخوف، يبرزه كنوع معيق للحركة والمقاومة، نوع محبط، يعطل قوى الإنسان ويشله، فحالة السقوط مرة قد تحجب عن المرء الرؤية وتحجر عليه الوقوف خوفا من السقوط ثانية، يقول “ثمة مَن يسقط فلا ينهض، لئلا يسقط ثانية”. ويتقاطع في مقولته مع مثل عربي يقول “الضربة التي لا تقتل المرء تزيده صلابة”. فخوف الإنسان من السقوط لا يجب أن يمنعه من إعادة المحاولة مرة تلو أخرى وصولا إلى تحقيق أهدافه.

حين يدوّن الأديب بعضا من وساوسه وجانبا من مخاوفه، فإنّه يضع اللبنة الأولى لتشخيص الأدواء، لأنّه يمرئي واقعه من خلال مرآته الشخصيّة، ويسعى إلى تبديد وساوس الآخرين ومخاوفهم عبر وضعها في دائرة البحث والمناقشة، ويخرجها من عتمتها المدمّرة. ومن هنا قد تكون وساوس الأدباء ومخاوفهم سبلا للتطهّر منها والتحرّر من تداعياتها التي قد تبلغ درجات خطيرة عند آخرين.

كاتب من سوريا

15