وسطية الدين أم فاشية الجهل؟

الاثنين 2013/10/28

منذ اندلاع الحرب العالمية على الإرهاب راهن الكثيرون على أنّ الإسلاميين الموصوفين عربيا بالوسطيّة وأميركيا بالاعتدال قد يساهمون في استئصال الإسلاميين الموصوفين عربيا بالغلوّ وأميركيا بالإرهاب. بل هناك من ظنّ أن صعود الإخوان المسلمين في دول الرّبيع العربي بمعيّة السلفيين المروضين (كما حدث في مصر) أو بمعيّة الجهاديين بعد إعادة تدويرهم (كما حدث في ليبيا) قد يكون الحل الأمثل. وقد راج رأي مفاده أنّ التموقع في السلطة قد يجعل الإسلاميين يتحوّلون بتسعين أو مئة وثمانين درجة.

هذا احتمال ممكن، لكن هناك احتمال آخر أوفر حظا: انطلاقاً من موقع السلطة قد لا تتغيّر الأفكار بالضرورة نحو الأفضل. هناك ألف مثال. ومثلا فإنّ مآل الشيوعية في موقع السلطة لم يفرز غير الرّعب الستاليني ومجازر الخمير الحمر ونحوهما، وفي الأخير انهار كل شيء. مثال آخر، الخمينية في موقع السلطة، سارت نحو الأسوأ، خلاف وعودها وخلاف آمال الثورة الإيرانية؟ مثال ثالث، أردوغان نفسه دخل إلى السلطة رجلا عصرياً قبل أن تبدو عليه أعراض الانتكاس بعد أن طال عهده في الحكم. وفي كل الأحوال، يبقى السؤال: هل الوجود في السلطة ساعد الأحزاب الفاشية على أيّ تطور نحو الأفضل؟

ثم ماذا عن الوسطية؟ أليست ترياقا ضد التطرف، كما رأت الإدارة الأميركية؟

الواقع أنّ لا أحد من الإسلاميين والسلفيين والجهاديين ينفي عن نفسه صفة الوسطية. حتى ابن لادن قيل عنه إنه وسطيّ لمجرّد أن كان بوسعه أن يقترح على الغرب «الكافر» فترات من الهدنة. بل، حتى الظواهري قيل عنه إنه وسطيّ لمجرّد أنه لم يكن يذبح بيديه مثلما يفعل الزّرقاوي.

ولنسائل الوقائع، هل نجح الإسلاميون «المعتدلون» في الحد من مظاهر العنف الديني؟

لم يتراجع العنف الديني جرّاء صعود الإخوان لكنه اكتسح مساحات جديدة، في صفاقس، وسيناء، وحلب، وزنجبار، وأبين، وتامبوكتو، كما اكتسحت القاعدة وأخواتها مساحات جديدة.

قد يتساءل المرء، لقد نجحت الاشتراكية الديمقراطية «المعتدلة» في أوروبا في الحد من العنف الشيوعي طيلة نصف قرن، فلماذا فشل الإسلاميون «المعتدلون» في الحد من العنف الإسلاموي؟ هنا ملاحظتان:

أولا، إذا كان الاشتراكيون المعتدلون قد امتلكوا خطابا اجتماعيا وحقوقيا مقنعا للمثقفين وملهماً لعامة الناس، فإنّ الخطاب الحجاجي لما يسمى بالإسلاميين المعتدلين- رغم شعبويته- عاجز عن إقناع النخب وغير قادر على مجابهة الخطاب الحجاجي للإسلاميين الأشد تطرفا. مشكلة الإخوان أنهم لم يفلحوا في بناء منظومة قيم متماسكة ومقنعة ومستقلة عن الإسلام المتطرف. لذلك لا تبقى لهم من حجّة أمام نظرائهم المتطرفين سوى أن يقولوا لهم: أنتم تستعجلون.

ثانيا، لا تضم مرجعية الإخوان المسلمين اليوم أي مُنظر إسلامي من حجم علي شريعتي ومالك بن نبي، ولا أي مفكر إسلامي من حجم محمد أركون ومحمد عابد الجابري، ولا أيّ مصلح ديني من طينة محمد إقبال وعبد الكريم شروس، ولا تستلهم من تراث الإسلام سوى بعض فتاوى ابن تيمية وأخبار الصحابة وأساطير الأولين، أما عمالقة التراث الإسلامي أمثال ابن رشد وابن سينا وابن عربي والشيرازي بل حتى علماء القرآن أمثال القرطبي والسيوطي والسجستاني، فعليهم رحمة الله وبركاته.

إنها فاشية الجهل المركب، جهل من يظنّ أنّه عالم زمانه بشؤون الدين وأمور الدنيا.


كاتب مغربي

8