وسقط القناع

الاثنين 2013/10/14

يجب الاعتراف بهذا، يبقى «الإنجاز» الأهمّ الذي حقّقه الإخوان المسلمون يتمثل في قدرتهم على إقناع أميركا- وربما إسرائيل أيضاً- بأنّهم قادرون على الوقوف في وجه طوفان التطرّف الديني الأعمى والكاسح، وبأنّهم نفعيون إلى الدرجة التي تجعلهم أبعد مدى في القدرة على المساومة على كل شيء مقابل شبر واحد للإمارة، أكان غزة أم سيناء أم رابعة أم معبرا أم نفقا أم أي شيء دون ذلك. أولم ينشئ الرسول نفسه دولته أول الأمر في مدينة صغيرة اسمها يثرب؟ من أجل ذلك، أعلنوا جهوزيتهم لاحتواء الإرهابيين الذين يصعب كسر شوكتهم بالحروب أو بغيرها من إجراءات أمنية مشدّدة. لذلك أصبحت «أخونة» المجتمعات الإسلامية ضرورة أمنيّة للجميع.

وفي المقابل، نجح الإخوان المسلمون أيضاً في إقناع السلفيين والجهاديين- بسهولة في مصر وصعوبة في تونس- بأنّهم التيار الأقدر على الوقوف في وجه زحف الحداثة الغربية ومجابهة قوى الكفر وأعداء الإسلام، الذين هم أهل الطابور الخامس الذي يحتل المساحة الخارجة عن الدين والممتدة بين السلطة الرّابعة والفن السابع، لذلك فإنّ أخونة الثقافة تعدّ ضرورة شرعية قبل الفتح المبين.

قناعان بلا قناعات لوجه بلا ملامح. قناع متعدد الأدوار في منطقة منزوعة المواقف اسمها «الوسطية والاعتدال». هي علبة بلا مضمون تنموي ولا محتوى نهضوي لغاية تسويق اسم بلا مسمّى. إنها لعبة «الماركتينغ» السياسي في أنصع صورها، لكنها لعبة قصيرة المدى مثلها في ذلك مثل «خيط الكذب».

لم يكن لجماعة الإخوان من بضاعة تصلح للتسويق، لذلك دأبت على عرض خدمتها في سد ذرائع الضرر الأكبر ولو بضرر أقل، ودرء الأسوأ ولو بسوء أخف، أكان هذا الأسوأ إرهابا (حين مخاطبة العقل الأميركي) أم كان تغريبا (حين مخاطبة العقل السلفي).

هي نفس اللّعبة التي لعبها مرسي في مصر بغباء مفضوح، ولعبها الغنوشي في تونس بغير قليل من الدّهاء، ولا يزال يلعبها بنكيران في المغرب بكثير من الاستغفال. إنها أسلوب من أساليب الابتزاز السياسي في آخر التحليل، ابتزاز من لا يملك شيئا سوى أن يقول: إما أنا أو انتظروا الأسوأ؟

فقط، في مصر لم تبق اللعبة عند حدود الابتزاز، فقد سقط القناع المزدوج وصار الأمر كما لو أنه تحالف فاوستي مع الشيطان، توقيع معه بالدم على سفح «طور سنين»: أنا وبعدي الشيطان! إذن بعدي الشيطان.

قبل تمرّد 30 يونيو كانت لغة خيرت الشاطر مروعة في رده على اقتراحات السيسي: إذا ما تنازلنا عن السلطة فسيخرج أتباعنا عن طوعنا، وسيخرج الكثير من الجهاديين من جحورهم، ولن نضمن لكم ماذا سيحدث؛ سيصير كل شيء في عهدة الشيطان.

إنه نفس الابتزاز المقيت الذي مارسه الإخوان المسلمون مع أنور السادات (الذي استجار من الرمضاء بالنار) ثم مع حسني مبارك، والملك الحسين، والحسن الثاني، قبل أن ينتقلوا بهذا الأسلوب إلى المستوى الدولي أثناء الحرب الأميركية على الإرهاب العالمي.

والآن ماذا يجري في مصر؟ لم يبق للإخوان من هدف سوى أن يؤكدوا بأن الأسوأ قد حصل بالفعل. ولغاية ذلك تتعاظم قدرتهم على ممارسة العنف ضد الأجهزة الأمنية، لكن بالموازاة فإن فرص بقائهم على قيد الحياة السياسية تتقلص باستمرار.

لم يستفيدوا في سنوات العمل السياسي فوق الأرض وتحتها من القاعدة البسيطة التي تقول: لا تستعمل أسلحتك كلها دفعة واحدة. مشكلتهم أنهم في لحظة غضب جارف استنفذوا كل الأسلحة خلال زمن قياسي، خسروا السلطة بعد عام، وخسروا اعتصام رابعة بعد أيام، وخسروا ميدان التحرير منذ اليوم الأول، وبالتأكيد سيخسرون سيناء والمعابر حتى ولو أرهقوا الجيش لبعض الوقت، أو أنهكوا الأمن في بعض الأحيان. لقد خسر الإخوان معركة الملايين واستنفذوا كل رصاصاتهم وأحرقوا آخر أوراقهم بـ»إعلان الجهاد». والنتيجة، لا ظهراً أبقوا ولا أرضاً قطعوا.

* كاتب مغربي

9