وسوى الروم خلف ظهوركم فرس (رسالة سورية إلى المثقفين العرب)

الاثنين 2013/09/02

الأساطيل الغربية تبحر نحو المتوسط والمثقفون العرب حائرون. هل يأخذون جانب الغرب في حملته المزمعة لمعاقبة الأسد ونظامه على جرائمه التي ضجّت بها الإنسانية، ليصبحوا في نظر أنفسهم عملاء للغرب، أم يأخذون جانب السفاح في حربه المفتوحة على شعبه، ويصبحون موالين للطاغية وشركاء في جريمته؟

المثقفون العرب حائرون، لكن حيرتهم لا تقودهم إلى طرح الأسئلة، وإنما تودي بهم إلى مزيد من البلبلة والتخبط والضياع وتوزيع الأجوبة اتهامات تصيب هذا وأخرى تصيب ذاك.

ليس من شيم المثقف العربي الحائر من أمره احترام خصلة الحيرة، وطرح الأسئلة للعثور على أجوبة خلاصية، أو أقله للوصول إلى نوع من المعرفة بالأشياء. وهو بدلا من ذلك تراه يسارع في حيرته وتخبطه إلى تجميع الأجوبة كحجارة يرجم بها كل من يخالفه الرأي والموقف والموقع.

المثقفون العرب حائرون يقولون إنهم خائفون على الجغرافيا السورية من أن تدنّسها قوات أجنبية غازية، تتجمع أساطيلها اليوم في عرض المتوسط قبالة السواحل السورية. لتعيد تكرار المأساة العراقية.

لكن المثقفين العرب المتخبطين اليوم في مواقفهم مما آلت إليه القضية السورية ينسون، أو يتناسون أو يهملون حقيقة أن التراب السوري بات لأكثر من عامين مرتعا لغزو العصابات الإيرانية، قطعان قاسم سليماني في «الحرس الثوري» وذيولهم من مناضلي العصابات اللبنانية والعراقية واليمنية والباكستانية وغيرها، وهؤلاء يأتمرون جميعا بأمر المخابرات الإيرانية والولي الفقيه في طهران تحت دعاوى مذهبية مقيتة، لا يفسرها شيء أبلغ من أنها تصفية حساب تاريخي في المكان والزمان المناسبين لطهران، مع تحويل الكيان السوري بأكمله إلى ورقة في معركتها مع العالم وفي الإقليم. ولم تتورع إيران وعاملها في دمشق عن توفير الأسباب والظروف الكاملة لاستقطاب جهاديي السنّة من كل مكان في العالم إلى سوريا، بل وفتح سجونها وإرسالهم من هناك، لتشويه سمعة الثورة الشعبية السورية وإرعاب العالم المبتلي بالإسلاموفوبيا من توجهاتها الجديدة، وبالتالي مد النظام المتهالك بحياة أطول، مستكملة بهم تأثيث جغرافية مناسبة لحرب إقليمية طويلة الأمد.

أما سوريا التي عرفها إقليمها مدنا للتاريخ ومنتجعات للمصطافين، وكيانا وطنيا يخص أهلها، فلقد باتت أطلالا ينعق البوم عليها، وباتت حدائقها وبساتينها تغص بشواهد قبور أبنائها المستخرجين من تحت أنقاض بيوتهم وقد سحقتهم آلة الموت التي زودت بها النظام تحالفاته الإيرانية الروسية غير المقدسة.

سوريا اليوم، ومعها العراق ولبنان، كما هو معروف للقاصي والداني، تحت الاحتلال الإيراني، فكريا وعسكريا، وهو ما كان في أساس اللهيب الذي يلتهم الخارطة السورية منذ عامين ونصف العام. ولولا الدعم العسكري والمالي المفتوح لنظام الموت والجريمة، لما استطاع آل الأسد وعصاباتهم الصمود في وجه الثورة الشعبية العارمة المطالبة بالديمقراطية والخلاص من استبداد حكم عائلي قروسطي، ولما تجرأ هذا النظام على ارتكاب الفظاعات، ما دام استشعر تراخيا دوليا وارتباكا عالميا، أمام تطوره التدريجي في استخدام آلات الموت ضد شعبه وقد وصلت إلى الإبادة بالغاز.

المثقفون العرب حائرون، حيرتهم القاتلة، تعكس انعدام وزنهم، وتخبط مشروعهم المستقبلي، أمام التشكيلات والقوى والمؤسسات السياسية والعسكرية الحاكمة في العالم العربي، وكلها تنتمي إلى الماضي، لاسيما الديكتاتورية والشمولية منها، على شاكلة سوريا، الجزائر، السودان، ولا تشذ عن هذا التوصيف مجاميع المثقفين في دول ما سمي بـ»الربيع العربي»: تونس، اليمن، ليبيا، ومعها العراق بديمقراطيته المسخ، ولبنان بتكوينه الطائفي المتنافر والمقتتل في ما بينه. وهؤلاء مثقفو دول ما تنفك حركاتها الجماهيرية الثائرة تُختطف وتُجرف هي وأحلامها وتطلعاتها وراياتها لتؤسر، مجددا، في صياغات لا تطلّق الماضي، ولا تستطيع منه فكاكا.

المثقفون العرب حائرون، ولحيرتهم أسباب شتى، ليس أقلها أنهم لم يتمكنوا من أن يأسسوا مشروعهم المستقل عن السلطة والمعارضة معا، وقد كان يجدر بهم أن يكون ذلك في أول أولوياتهم، كيما يتمكنوا من مأسسة وجودهم، وحماية تطلعاتهم وتطلعات شعوبهم، وفرض أنفسهم، بقوة، طرفا أساسيا في عملية التحول الديمقراطي، ومكونا فعالا في معادلة التغيير في المنطقة. وبالتالي مرجعا ضميريا لأممهم.

المثقفون العرب حائرون، وحيرتهم مصدرها عدم إدراكهم العميق لأدوارهم بإزاء تعقيدات الصراع في المنطقة، وعليها، وبالتالي غياب القراءة المبدعة لهذا الصراع، وعدم إبصار عمقه وامتداداته، إلى جانب فشلهم في تطوير أدوات فكرية تمكنهم من تحديد أدوارهم في هذا الصراع. لقد تكاسلوا واستناموا، وتبطلوا عقودا متسكعين في جوار السلط العربية المتسلطة، أو مستهترين بأدوارهم في إطار معارضات متسلطة هي الأخرى، فخفت موازينهم، وتجرأ عليهم الجميع.

المثقفون العرب حائرون، وفي أساس حيرتهم غربتهم عن الناس. الناس في واد وهم في واد. الواقع في جهة والتريض على فهم الواقع في جهة أخرى. فهم حداثيون والناس ماضويون متخلفون. لقد تكشف مع الثورات العربية زيف المثقف العربي، فلم يكن تعاليه على لغة الناس وطرائقهم في قراءة أحوالهم، وفي التعبير عن أنفسهم، غير ضرب من الهروب إلى الإمام على هدي نرجسية مريضة، بلغت بهم في مرات كثيرة، درجة من الأثرة الخسيسة، التي أطبقت على ذات المثقف العربي، شاعرا ومفكرا، وفنانا واستحكمت منه، حتى عادت قراءته لذاته وللواقع عماء في عماء. ولهذا كان طبيعيا أن يجد المثقف العربي نفسه مع كل عاصفة أو زلزال يواجهه عالمه، مشوشا ومنفعلا، والأهم مسبوقا بغيره ممن ارتبط بحركة الناس وراح يقود الجمهور في ميادين الصراع والحركة وقد وقعت كلماته وإشاراته عند أفهامهم موقعا فاعلا، ولا تسأل، أيها المثقف الحداثي، من بعد كيف تكون النتائج، ولا كيف يكون المصير.

الأساطيل الإمبريالية تبحر في المتوسط، والمثقف الذي لم يفرغ من حيرته، لن يكون لديه ما يقدمه للناس، ولا حتى النصح. فليس عنده كلمات، فلتكسر قلمك المزيف إذن أيها المثقف المسبوق دوما بغيرك ممن ارتبطت أسبابه بأسباب الناس، ولتتفرج أيها المثقف على التاريخ عندما تصنعه الدماء والدموع. تفرج على أسماك القرش الكبرى وهي تجوب المتوسط بحثا عن فرخ القرش الصغير ذي الأسنان الدامية.

الطاغية ونظامه سمحا لإيران بنخبتيها العسكرية والدينية بغزو سوريا واحتلال قرارها. أما وقد أعطت مجزرة الكيماوي في غوطتي دمشق القوة الكبرى في العالم أسباب التدخل العسكري في سوريا ضد الأسد، فالتدخل حقيقة هو ضد طهران لطردها من المتوسط. وبالتالي فإن جهة واحدة مطالبة اليوم بالدفاع عن سفاح دمشق هي إيران.

فماذا أنتم فاعلون أيها المثقفون العرب الأبرار، وسوى الروم خلف ظهوركم فُرسُ؟

8