"وشم النخيل العاري" وقائع سودانية لسيرة الفناء

للعري سلطة أكثر حضورا في واقعنا المعاصر مما أكسب طعم الحياة حموضة وعلقما لا يستساغان، ونحن في كل لحظة نتجرع كؤوسا مرة تفوح بزخمة لا تطاق طالما سطوة القوي ماثلة وتمسك بتلابيب الشعوب، مثلما يتبين في نصوص مختلفة، تلتقي عند ناصية الإنسان الموجوع بالفعل السياسي.
الاثنين 2015/10/05
الإنسان في تقاطع أبدي مع أسئلة الحياة والانتحار والوجود والعدم والعقل والحقيقة والحلم

يجمع بين الإنسان الموجع والفعل السياسي خيط رفيع يعبر مسافاتها ويتدبر مداه القاص السوداني عوض عثمان عوض، مشدودا في نسيجه للمساحة التي تمور بضجيج أسئلة عديدة ضمن سفر موسوم باسم “وشم النخيل العاري”.

تنقسم النصوص إلى قصيرة نسبيا، ونصوص قصيرة جدا، وأخرى قصيرة مشتركة مع عادل عثمان عوض، وسمر عوض الريح. وفي خضم ذلك تنعبث سيرة الفناء والموت والمنفى وسط نسج ميثولوجي وأدبي تختلط فيه المقولات والمقالات والنثر بوقائع الحياة في تضامّ يتقد بوهج الحروف واختيار المفردة والأسلوب السردي المتموضع خلف لوحة القصص التي لا تنتهي إلا بتوجيهات فعل محدد.

مشاهد يومية مألوفة

لعل الكاتب عوض عثمان عوض يريد من خلال نصوصه أن يقول الكثير عن مشاهد يومية مألوفة وخفية تمر به في قوالب تتباعد قليلا وتقترب كثيرا من سرد القصة القصيرة وفي ذات الوقت يصعب أن توصف بدقة على أي ضفة يجب أن توضع وتشرح حيثيات تفاصيلها الظاهرة خاصة ما هو مفتوح على واقع حيوات آخرين شغلوا حيزا مقدّرا في ذهنية الكاتب، وليس القارئ المنتظر على أحرّ من أشواقه لنص يعيد له اتزانه على صراط نص يسري مفعوله وفق تراتبية الاكتظاظ الخيالي.

فجملة النصوص مأخوذة بتمجيد الأزمنة والأمكنة في تقاطعهما الاعتيادي مع سيرورة سؤال الحياة والانتحار والوجود والعدم والعقل والحقيقة والحلم والواقع والخيال والحنين والشوق والغربة والهجرة والمنفى والغربة داخل الوطن، وتداخلها الشديد مع صرخات الألم التي ينوء بحملها الإنسان في صعوده المستمر نحو الحقيقة.

وتبدو الورطة كامنة في مثول عدد من الشخوص الذين تضامن معهم الكاتب في مسيرتهم ضمن سياق العديد من النصوص، وكأن هنالك مرثيات تمضي نحو تخليد لرفقاء الفكرة والجمال والإنسانية والعابرين في فضاء الكاتب، تجدها ماثلة في شخوص شهيدة الحرية والكلمة الإعلامية أطوار بهجت، والفنان التشكيلي والموسيقي والكاتب محمد حسين بهنس، والكاتب محمد شكري، وأم محيي الدين السورية، والفنان التشكيلي إسلام زين العابدين، وكذلك شخصية رفيق الحمام الواقعية.

الكثير من النصوص التي تغص بحضور السياسة، تجسد واقع اليوم السياسي والسلطة المائلة بامتياز

عناوين النصوص لا تتوارى خلف “وشم النخيل العاري” بل في فضاء اخضراره، مبيّنة حالة بلد بأكمله تناجي تاريخا موغلا في القِدم لممالك طوتها القرون وطمرتها تحت الأرض، وغدت لغزا لم ندرك بعد كنهه حتى يوم الناس هذا؛ هل نحن أهل السودان أول من وضع حجر الحضارة على تخوم النيل الكبير أم غيرنا؟

حضور السياسة

غصّ الكثير من النصوص بحضور السياسة بامتياز، وقد جسدت واقع اليوم السياسي والسلطة المائلة التي استندت على الأسرة، أو الجندي، أو الدين لتحقيق مآربها الدنيوية. وهي محاولة جريئة لفضح ألاعيب الكائن السلطوي أيّا كان موقعه ونوعه حتى لامست حدود جغرافية الربيع العربي كواقع معيش تجري الدماء من بين رماله. ويبقى الأمل مترع كتأكيد لحتمية انتصار الثورة في غناء النصوص المجيد.

وما لم تغفل عنه النصوص جليّ أكثر في التصاقه بالواقع، حيث لامس موضوعات يقاربها نوع المسكوت عنه في الغالب، مثل هيمنة المجتمع الذكوري الطاغي وتشوّهات التحرش الجنسي الذي تخضع فيه المرأة إلى التهميش، كنوع ضعيف يفتقر لحق الحياة، إلا تحت وطأة وكنف رغبات الرجل المهزوم بظنه، والملتاث بأن المرأة وعاء للتناسل فقط تحت كل الظروف، بعيدا عن راهنية وموضوعية العلاقة الإنسانية.

وفي رهانه على حرفية الترميز في البعد الأسطوري المعتاد، مضى الكاتب مستعينا بتوظيف الميثولوجيا ضمن سفره ونلحظه في قصة يودهِشتهِرا والكلب في طريقهما إلى فردوس إندرا في الميثولوجيا الهندية القديمة، كما وقف على أمارا (الجنة) في الأساطير الأثيوبية، والتي تعني أيضا ما هو سرمدي أو أبدي عند الإغريق، بالطبع شكلت الآلهة القديمة حضورها وتمثلت في إيزيس وعشتار وأفروديت.
الموت عمود فقري لبنية النصوص

وشكل الموت العمود الفقري لبنية النصوص، فبان في كلمات مرادفة تنوص على أبواب الفناء كمواجهة مصيرية ربما يعيشها الراوي مثل حالة وجودية، حاول استبطانها في ثنايا النصوص العديدة حيث تجلت بأشكال مختلفة في وسم العمل ككل.

الثيمة الأساسية لنصوص “وشم النخيل العاري” تدور في فلك الحنين إلى زمن سالِف مفتقد بالتزامن مع فضح بواعث الحروب المؤدية إلى الموت الزُّؤام، وذلك عبر استخدام تقنية التداعيات الحرة حيث جنح الكاتب في سرد قصصي موصوف وذاتي للاقتباس من أغنيات للبلابل، والمغني إبراهيم عوض، وفرانك سيناترا في أغنيته “غرباء في الليل”، والفنانة فيروز، والأميركي فريد أستير، وكذلك على نصوص شعرية لكل من أيمن أبوالشعر، وناظم حكمت، وأحمد محمد علي، وياسين رفاعية، ومحمود درويش، وأزهري محمد علي حين رمز له بأغنية “الصباح الباهي لونك”.

وأيضا مقولات لفلاسفة ومفكرين كالأديب الفرنسي أونوريه دي بلزاك، وإدوارد سعيد، وهمنغواي، وشكسبير، وفولتير، ودوستويفسكي، وتولستوي، ومكسيم غوركي، وفرجينيا وولف، وفوكنر، وسمير أمين، وكذلك روايات مثل “شرق المتوسط” لعبدالرحمن منيف، و“تيريزا باتيستا” لجورج أمادو، و”في النهاية يأتي الموت” لأغاثا كريستي، وسعدالله ونوس.

وجاءت هذه التضمينات داخل متن قصصه المتداعي في ارتباط وشيج، عاكسة ثقافته الواسعة، وكأنها تميمة تجمّل وتحمي النصوص من ميوعة عدم الجدية كما تكسبها الرصانة مثلما يفعل الكثير من الكتاب في ثيمة تشوّه أكثر ممّا تضيف إلى روح النص، إذا كانت لا توجد في القاموس التراثي للكاتب ما تخلق نوعا من الارتباك، وسط أجيال المطالعة للنصوص ربما قد تظنها من تراثها المعنوي.

14