وصايا العفيف الأخضر

الوصايا لم تكن سوى عدد من رسائله ونصوصه ومقابلاته التي لم يسبق نشرها أو نشرت على نطاق ضيق.
الاثنين 2019/07/29
العفيف الأخضر حذر من الثورات الكاذبة

أوصى المفكر التونسي العفيف الأخضر (1943 - 2013) أخاه قبل أن يتوفى بأن يحرق كل أوراقه ودفاتره “لقد كتبت كل أفكاري في كتبي”.

كان الرجل الذي نذر حياته من أجل الكتابة الحية، المتمردة، الانتهاكية، المستفزة والملتزمة بعدالة القيم الإنسانية حريصا على ألا يصيب التشويه أفكاره من خلال جمل ناقصة، كتبها تحت تأثير مزاج عفوي.

وإذا ما كان الروائي حسونة المصباحي قد اختار “وصايا العفيف الأخضر” عنوانا لكتابه عن المفكر، الذي عرفه في وقت مبكر من حياته، فإن تلك الوصايا لم تكن سوى عدد من رسائله ونصوصه ومقابلاته التي لم يسبق نشرها أو نشرت على نطاق ضيق.

ذلك الكتاب يعيد الاعتبار إلى مفكر نادر من نوعه. اعتبره الكثيرون يوما ما نبراسا لولادة ثورة جديدة في العالم العربي.

العفيف الأخضر من جهته لم يخدعه ذلك التصنيف بل كان حريصا على سلامه الداخلي ومتطابقا مع حريته في التفكير. لذلك فإنه اعتبر نفسه تقدميا ورجعيا في الوقت نفسه. هاجمه الشيوعيون حين كان يبحث عن شيوعيته الخاصة. رجل تحولات، اعتبرها الكثيرون تناقضات تصل إلى درجة الخيانة.

أذكر جيدا ما الذي كان اسم العفيف الأخضر يعنيه بالنسبة لجيلنا في سبعينات القرن العشرين.

كان داعية حرية، المفكر الطليعي الذي لم يتوان عن توجيه نقد صادم لحركات التحرر الوطني من داخلها، وهو المفكر الذي سبق لهذه الحركات أن تبنّت أفكاره.

كتاب المصباحي يسلط الضوء على سرّ الأخضر الذي لم يأخذه معه إلى القبر. لقد قال كل شيء في حياته كما أوصى أخاه. يعيد المصباحي مواطنه الأخضر إلى الواجهة، لأنه يعرف جيدا أن مفكرا من نوعه لا يزال ضروريا من أجل أن نواجه عالما زائفا يصر على الكذب في زعمه أنه يقول الحقيقة.

لقد دمرت الثورات الكاذبة حياتنا، وهو ما كان العفيف الأخضر قد حذّر منه بعد أن تخلى عن دعمه لحركات التحرر الوطني التي اكتشف فسادها.

16