وصاية ضد التاريخ والمستقبل

الاثنين 2017/11/13

إلى أيّ حدّ أفسحت وسائل التواصل الحرية للمرء كي يفكر ويعبّر بجرأة وصراحة عمّا يفكّر فيه؟ هل للعقل حياة أو موت؟ هل يحيا العقل بالفكر؟ هل يمكن تعطيل العقل والفكر؟ متى وأين يتمّ تعطيل الفكر ولصالح مَن؟ ما الذي يجعلنا نفكّر؟ ألا يثير سؤال حرية التفكير والتعبير أسئلة وإشكالات عن خلافات وصراعات لاحقة تنبني على آراء انفعالية يلقيها بعضهم على جدار افتراضيّ، فيدخل بعده ومعه في صراع حقيقيّ، يستنزف منه وقته وجهده وتفكيره؟

يتبدّى السؤال الذي يواجه مستخدم الفيسبوك “بماذا تفكّر؟” أو “ماذا يدور في عقلك؟” مراوغاً بقدر ما يوحي بالبساطة، ذلك أنّه مع التكرار يكتسب صفة السؤال البديهيّ الذي يصادفك عدّة مرّات في اليوم، ويفترض أنّك بصدد الإجابة عنه بسهولة وتبسيط. ويثير سؤال التفكير سؤالاً آخر عن القدرة على التعبير عمّا تفكر به، وما إن كنت قادرا على التصريح بما يعترك في داخلك تجاه مختلف الأحداث والوقائع اليومية التي تصادفها، أو القضايا التي تحضر كموضع خلاف متجدّد بين أطراف متحاربة.

تحدّثت الفيلسوفة والمؤرخة الأميركية من أصل ألماني حنة آرندت (1906 – 1975) في كتابها “حياة العقل.. التفكير” عمّا تصفه بالطبيعة الظاهرية للعالم، وعن الذات بمختلف تجلياتها، عن الجسم والروح، عن الأنا والعلم والشعور المشترك، عن الاختلاف بين العقل والإدراك، بين المعنى والحقيقة، كما قاربت الممارسات العقلية في عالم الظواهر، وما وصفته بالحرب الأهلية بين الفكرة والإحساس المشترك، بين الفكرة والفعل.. وغير ذلك من محاور تحلل علاقة الإنسان بالفكر والعالم الذي يعيش فيه.

أكّدت صاحبة “إيخمان في القدس” أن الفكر والعزيمة والرأي تمثّل الفعاليات العقلية الأساسية الثلاث، وأنه لا يمكن التخلي عن الواحدة والأخرى رغم ما لديها من بعض الخصائص المشتركة، إذ لا تختصر على قاسم مشترك. وتنوّه آرندت إلى أن سؤال “ما الذي يجعلنا نفكر؟” لا يبحث في الأسباب ولا النوايا، وأنه من دون مجادلة حاجة الإنسان للتفكير، فإنه ينطلق من فرضية أن النشاط الفكري يتموقع ضمن الطاقات التي تجد غايتها في ذاتها ولا تترك في العالم أي نتيجة ملموسة.

هناك مَن ينطلقون من فكر شموليّ وصائيّ، يحاولون تعطيل تفكير الآخرين وشنّ حروب واقعية عليهم بناء على ما يقترفونه في العالم الافتراضيّ، وهنا يحوّلون العالم الافتراضيّ إلى معبر لتدمير حياة الإنسان الحقيقيّة، وبذلك يستغلّون أدوات ثورة التكنولوجيا التي تتّسع وتتعاظم بناء على قوّة العقل وحرّيّة التفكير والتعبير، ليحوّلوها ثورة ضدّ العقل والمنطق والتاريخ والمستقبل.

يبدو أنّ بعض وسائل التفكير المعاصرة، أو تلك التي يفترض بها أن تحرّض على التفكير، وتحرص على حرية التعبير، تغدو مع التضييق وسائل تقييد من شأنها تعطيل العقل وتحجير التفكير نفسه، والابتعاد بالمرء إلى بقاع يفترض أنّها قد تكون آمنة، تلك التي تدور في فلك الموسيقى والأفكار العامّة التي لا تثير أيّ خلاف، ولا تتسبّب بأيّ استعداء أو استنزاف.

كاتب سوري

14