وصفة نفسية للتخلص من أشخاص لا نحب وجودهم

على الرغم من أن أغلبنا يكره الاعتراف بذلك، إلا أن الواقع يقول إن هناك أناسا في محيطنا الاجتماعي نكره وجودهم داخل الأطر أو المشتركات التي تفرضهم علينا، لكن الأمر لا يعدو أن يكون كناية عن بضع مصادفات غير سعيدة قد تجمعنا بهم في شارع أو مناسبة عامة أو أروقة متجر، لكن كيف نتصرف إذا لم يكن بدّ من التعامل مع هؤلاء كزملاء، أو رؤساء يجمعنا بهم مكان عمل واحد، وربما مشروع مشترك، وقد يكون هؤلاء أقارب من الدرجة الثانية، أو أصدقاء نتعثر بهم في كل مناسبة اجتماعية تجمعنا بمعارفنا، ولعلنا نضطرّ إلى الجلوس معهم إلى نفس مائدة الطعام؟
الأربعاء 2016/05/25
المرء يميل إلى عدم تقبل الأشخاص الذين لا يشبهونه

القواعد التي ينصحنا بعض المتخصصين لاتباعها قصد تجنب الاحتكاك مع الغرباء الذين يسببون لنا الضيق، قد لا تنطبق بالضرورة على الأشخاص الذين نعرفهم جيدا، وربما يكون تعاملنا يوميا معهم قسرا.

وترى أستاذة العلوم النفسية في جامعة ماساتشوستس أمرست الأميركية، سوزان كراوس وايتبورني، أن بعض هؤلاء يمكننا تجنب الاحتكاك بهم أو الحفاظ على قدر معقول من المسافة التي تبعدنا عنهم في اجتماع عائلي، أو نحاول أن يكون تعاملنا معهم لمدة قصيرة ومحددة في مكان العمل مثلا، فإذا استحال تحقيق ذلك يمكننا أن نستخدم إحدى الخدع النفسية، هو أن نفترض سلامة النية -قدر الإمكان- في ما قد يقوله هذا الشخص المزعج، وربما نتصور أن زميلنا في العمل الذي يحاول أن يحط من شأن جهودنا في اجتماع يحضره المدراء، لا يقصد التقليل من شأننا ليظهر هو بمظهر العارف والمسيطر على الأمور. إلا أن الواقع أحيانا، كما تؤكد وايتبورني، لا يسعه أن يصادق على سلامة النوايا، إذ لسوء الحظ، يتصرف هؤلاء بقصد واضح لإزعاجك واستفزازك لأسباب تجهلها أنت نفسك.

وتقول الأستاذة الجامعية سوزان “إن محاولة تصعيد الموقف من قبلك قد تؤدي بالنهاية إلى شعورك بالضيق والإزعاج، أكثر من الشخص الذي تسبب في ذلك”.

وفي هذا السياق، قامت مجموعة من الباحثين في جامعة جرونينجن الأميركية بإجراء دراسة لتشخيص العوامل التي تساعدنا على التخلص من البقاء مع أشخاص لا نستطيع تحملهم، وأكدت الدراسة التي أشرفت عليها الباحثة ميلفين هامستر ومجموعة من زملائها، على أن الشخص المهيأ لصرف كل إمكاناته وطاقته النفسية لاستيعاب أشخاص يحبهم ويرغب في بقائهم إلى جانبه قد يكون لديه الاستعداد ذاته -في المقابل- لتجميع طاقته وإمكاناته كذلك لتجنب أو صرف الأشخاص الذين لا يحبهم.

وأشار الباحثون في الدراسة إلى أن العديد من الناس قد ينحازون إلى الغرباء الذين يقابلونهم للمرة الأولى بصورة إيجابية، فيعوّلون على إمكانية سلامة النية في التعامل المتوقع بين الطرفين وهذا في حدّ ذاته أمر جيد، في حين قد تكشف الظروف استحالة ذلك، إذ أن عددا من الناس يفترضون سوء النية في الأشخاص الغرباء الذين يقابلونهم للمرة الأولى، وفي كلا الحالتين فإن “الألفة تولّد الازدراء”، كما يقول المثل الشعبي، حيث يصبح التعامل مع هؤلاء بمرور الوقت ومع انكشاف شخصياتهم ونواياهم، أمرا صعبا للغاية.

"العلاقات ذات الروابط الضعيفة"، يمكنها أن تقدم لنا جرعات إضافية من المرح والمشتركات

ولاحظ الباحثون بأن الأمر لا يتبع المصادفة في حبنا أو كرهنا لأناس معينين؛ فالمرء يميل في العادة إلى حب الأشخاص الذين يشبهونه وتجمعهم به عوامل مشتركة كثيرة، سواء كانت في الشخصية أو الميولات أو الاهتمامات وغير ذلك، حتى وإن كانوا غرباء عنه، في الوقت الذي يميل بشدّة إلى عدم تقبل الأشخاص الذين لا يشبهونه حتى وإن كانوا من أقرب المقربين له، فالشخص المقابل قد لا يكون بالسوء الذي نتصوره عنه، لكننا لا نطيقه لمجرد أنه لا يشبهنا وهذا كل ما في الأمر فقد نكون متشائمين في بعض المواقف في حين يبدو عليه التفاؤل، وقد نكون مشديدي الأعصاب في حين يبدو عليه الاسترخاء، وهذا النوع من التباعد في الأهواء هو الذي يخلق حاجزا من النفور بين الطرفين.

ولهذا، توصي الباحثة هامستر الأشخاص الذين يجدون صعوبة في تلافي علاقات مع غرباء أو أقرباء لا يحبذون وجودهم في حياتهم، بأن يتبعوا حدسهم، فالانطباع الأول يحمل أهمية كبيرة في تحديد علاقتنا بالغرباء ويجعلنا نضع جسورا متخيلة في التعامل معهم منذ البداية وهذا الأمر قد يسهل كثيرا من رغبتنا في تجنبهم لاحقا، أما الأقرباء أو الذين تحكم علينا الظروف بضرورة التعامل معهم وبصورة يومية أحيانا، فتؤكد الباحثة على ضرورة منحهم بعض الفرص لإثبات حسن نواياهم، وإلا يتوجب علينا حسم الخلاف أو سوء التفاهم مبكرا قبل أن نسمح لهم بالتمادي في إزعاجنا، وهذا أمر ليس بالسهل ولكن يبدو بأن لا خيار ثانيا أمامنا.

من جانبها ترى أستاذة علم النفس المشارك في جامعة جيمس ماديسون لولاية فيرجينيا الأميركية جيمي كورتز، أن أغلب الناس يميلون إلى الاعتقاد بأن المقربين منهم كأفراد الأسرة والأصدقاء في الحلقة الاجتماعية الضيقة، هم المصادر الوحيدة للفرح والدفء في حياتنا، وهذا الاعتقاد صحيح إلى حدّ ما، بيد أن الأبحاث الحديثة أكدت على أن العلاقات الاجتماعية مع الغرباء الذين نتعرف إليهم للمرة الأولى، وهي التي يسميها المتخصصون “العلاقات ذات الروابط الضعيفة”، يمكنها أن تقدم لنا جرعات إضافية من المرح والمشتركات، وتمنحنا شعورا متجددا بالانتماء والتفاؤل.

21