وصف الغنوشي لداعش بـ"الإسلام الغاضب" يثير زوبعة سياسية

لم تفلح حركة النهضة الإسلامية في تبديد الضجيج الذي أحاط بالتصريحات الأخيرة لرئيسها راشد الغنوشي بخصوص رأيه في تنظيم داعش والتي قوبلت بكمّ من الانتقادات في مقدمتها محاولته لتبرير جرائم التنظيم.
الأربعاء 2016/10/19
زلة لسان أم رسالة مشفرة

تونس – تواصل الجدل السياسي والإعلامي الذي أثارته تصريحات راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية التونسية التي وصف فيها تنظيم داعش الإرهابي بأنه “صورة من الإسلام الغاضب”، على أكثر من صعيد، وسط مخاوف واستياء العديد من القوى السياسية والمدنية التي عادت إلى اتهام الغنوشي بازدواجية الخطاب السياسي.

وفي تطور لافت لذلك الجدل، دعا محسن مرزوق الأمين العام لحركة مشروع تونس إلى اتخاذ “موقف وطني” من تصريحات الغنوشي التي دفعت البعض إلى استحضار “زلات لسان” الغنوشي قادة حركة النهضة التي تسببت أكثر من مرة في توتر المناخ السياسي في البلاد.

واعتبر مرزوق في تصريحات إذاعية بُثت الثلاثاء، أن ما ورد على لسان الغنوشي هو “محاولة لتبرير جرائم تنظيم داعش، و«تخريجة» دعوية جديدة تلقي بظلال قاتمة على ما ادعته حركة النهضة في مؤتمرهاالأخير، حول فصلها بين الدعوي والسياسي”.

وحذر مرزوق في تصريحاته التي تزامنت مع بدء الغنوشي زيارة إلى إيطاليا يُنتظر أن يلتقي خلالها الرئيس الإيطالي، سيرجيو ماتاريلا، من أن الأخطر من حمل السلاح هو “الأيدولوجيا التي تدعم حاملي السلاح”.

وشدد في هذا السياق على أنه لا يجب البحث عن تبرير للإرهابيين الذين لا علاقة لهم “لا بالإسلام الغاضب ولا بالإسلام المسرور” على حد تعبيره، وذلك في الوقت الذي لم تُفلح فيه حركة النهضة الإسلامية في تبديد الضجيج الذي أثارته تصريحات الغنوشي، والتنصل من أبعادها السياسية، والجدل الحادّ الذي أثارته.

وكانت حركة النهضة قد سارعت إلى مُحاولة التقليل من وطأة ذلك الجدل الذي بدأ يتحول تدريجيا إلى ما يُشبه العاصفة السياسية في وجهها، وقد لجأت إلى مقولة “أخرج من سياقه” في بيان رسمي لها اتهمت فيه ضمنيا وسائل الإعلام بتشويه تصريحات رئيسها الغنوشي.

وقالت في بيانها إن تلك التصريحات “أخرجت عن سياقاتها بما يشوش على مواقف الحركة ويغالط بالنتيجة الرأي العام ويخدم أجندة معينة مصلحتها غير مصلحة تونس”، وهو ما دفع إذاعة “موزاييك أف أم” التي نشرت تلك التصريحات لأول مرة، إلى إعادة بثها بصوت الغنوشي، وذلك في رد أربك حركة النهضة، وأحرجها.

وقال الغنوشي في تصريحاته حول موقفه من تنظيم داعش الإرهابي وأفراده “هم حالة متوترة، وحالة غاضبة، لا أبحث عن مبرر لهم، ولكن أصف واقع الدواعش بأنه صورة من صور الإسلام الغاضب، وصورة من صور الإسلام الذي يخرج عن العقل وعن الحكمة”.

وتابع قائلا “… ولكن لا نستطيع نحن أهل السنة أن نكفر أحدا يقول لا إله إلا الله، وإنما نصف، ونقول له أنت ظالم وأنت مخطئ، وأنت متطرف وأنت متشدد، ولكن لا نستطيع ان نقول له أنت كافر”.

وأثارت تلك التصريحات التي وُصفت بأنها “صادمة ومثيرة”، موجة من الانتقادات والاتهامات لراشد الغنوشي وحركته، تواترت في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي على لسان سياسيين ومفكرين وإعلاميين، تباينت في حدتها، واختلفت في قراءة أبعادها.

وقال النائب البرلماني مصطفى بن أحمد لـ”العرب” إنه يتفهم ردود الفعل على تصريحات الغنوشي، التي “أعتقد أنها تدعم الانطباع السائد حاليا بأن الغنوشي مازال لم يقطع مع الإسلام السياسي بمكوناته المتطرفة، منها أنصار الشريعة، والقاعدة، وطالبان، وغيرها”، على حد قوله.

واستدرك قائلا إن المتابع لمسيرة الغنوشي وحركته “يلمس تطورا على مستوى التعامل مع فعاليات المجتمع المدني، والقبول بالتعايش، لكنه لم يرتق إلى متطلبات تحول حركة النهضة إلى حزب مدني ديمقراطي بمسوغات فكرية ونظرية يقطع مع تداخل الدين بالدولة”.

ولكنه أعرب في المقابل عن أمله في أن يكون ما ورد على لسان الغنوشي هو “خطأ غير مقصود، أي زلة لسان، لأن مضمون الوصف الذي قدمه خطير جدا، ذلك أن المطلوب هو إدانة داعش باعتباره تنظيما إرهابيا وإجراميا، وعدم إضفاء أي شرعية سياسية أو دينية على وجوده”.

وقبل ذلك، اعتبر المفكر التونسي يوسف الصديق، أن تصريحات الغنوشي حول داعش هي “أكبر التصريحات الصادمة منذ بداية انطلاق الثورة”، وهي أشد وطأة من تصريحاته السابقة التي قال فيها “هؤلاء أبناؤنا ويبشرون بثقافة جديدة”، وذلك في إشارة إلى السلفيين المتطرفين.

وتساءل الصديق في تصريحات صحافية قائلا “أي دين وأي أيدولوجيا حتى وإن كانت وثنية تسمح وتقبل بالقول بأن أيديولوجيا غاضبة وفكرا دينيا غاضبا يمكن له أن يحرق إنسانا حيا ويقتل ويغتصب وينتهك؟”.

ومن جهتها، كتبت الإعلامية آسيا العتروس تغريدة، قالت فيها “… ما نُقل عن رئيس حركة النهضة بشأن الدواعش إما أنه إخرج من سياقه وعليه يتعين على الغنوشي التوضيح والتنصل مما نسب له، وإما أن هذا الكلام يمكن اعتباره تبريرا لمخاطر او تهديدات قد تحدث، وهو يحمل أكثر من رسالة أولها أن الإسلاميين اليوم في حالة هدنة وعلى التونسيين تجنب غضبهم، وثانيها موجهة للدواعش ومفادها أن الإخوان ليسوا ضدهم”.

ورغم أن فرضية أن يكون الغنوشي أراد من خلال تصريحاته توجيه رسائل تهديد مُبطنة ازدحمت بها العديد من ردود الفعل، فإن مصطفى بن أحمد استبعد في تصريحه لـ”العرب” ذلك، حيث قال “لا أعتقد ذلك، ولا وجود لرسائل مُبطنة في تصريحات الغنوشي، ولكن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى أن الغنوشي والعديد من قادة حركته مازالوا يرزحون تحت تأثير موروث الإسلام السياسي التقليدي، ولم يقطعوا الخطوة الضرورية باتجاه الابتعاد عن الإخوان المسلمين”.

4