وصلوا إلى القرداحة

الخميس 2013/08/22

أبرزت صورة تناقلتها وسائل الإعلام مقاتلين من مقاتلي المعارضة وهما يقفان أمام لافتة كتب عليها «الغاب- القرداحة» دون أن تحدد تلك اللافتة المسافة التي تتطلب من هذين المقاتلين للوصول إلى مسقط رأس الرئيس السوري الحالي وأبيه من قبله.

ولأن الأمر يتعلق بالقرداحة، فقد اعتبرت هذه الصورة نصراً للثوار في طريقهم لتحرير سوريا من حكم آل الأسد، مع إن القرداحة هي منطقة صغيرة في ريف اللاذقية، إلا أن مدلولاتها المعنوية لدى أولئك الثوار تبدو كبيرة، فهل تحسم معركة القرداحة الصراع الدموي في سوريا؟

لم تدخل مدينة اللاذقية على خط الثورة متأخرة كما قد يظن البعض، فالمدينة الساحلية شاركت ومنذ الشهر الرابع عام 2011 في تظاهرات حاشدة تسببت بانتقال القوات العسكرية إليها، وضربها بكل قوة حتى تمت تهدئتها، وإعادتها إلى الحظيرة الأم، وقتها ارتكبت قوات النظام السوري مجزرة في حي الرمل الشمالي الذي تقطنه غالبية من اللاجئين الفلسطينيين وتكثر حوله العشوائيات، وامتدت يد النظام لتشمل أحياء «الصليبة» و»الطابيات» و»القلعة» و»السكنتوري»، ومدينة جبلة أيضاً التي اعتقل النظام العشرات من أبنائها.

وقد غابت مدينة اللاذقية عن المشهد بشكل كامل تماماً لكن ريفها شهد بين الحين والآخر اشتباكات متقطعة وخاصة مع تحول الثورة السلمية إلى ثورة مسلحة واتصال مقاتلي المعارضة في ريف إدلب وحماة برفقائهم في ريف اللاذقية المحاذي، وقد أدى فقدان النظام السيطرة على الحدود مع الجارة الشمالية تركيا إلى تدفق الأسلحة إلى تلك الأرياف ذات الخليط الطائفي، فاندلعت في شتاء 2012 مواجهات أسفرت عن سيطرة الثوار على عدد من المناطق أبرزها كانت مدينة الحفة ذات الغالبية السنية، والتي نجح النظام في وقت لاحق في استعادة السيطرة عليها.

لكن ومع إطلاق الثوار خلال الفترة الماضية «معركة تحرير الساحل» عادت اللاذقية وبقوة لتتصدر المشهد، في ظل ارتباك النظام الكلي بعد فقدانه واحداً من معاقله في ريف حلب هو منطقة خان العسل التي أعقبتها على الفور سيطرة الثوار على مطار منغ الاستراتيجي، وبالتزامن مع هذا التقدم في الشمال السوري، يحقق ثوار المنطقة الشرقية في دير الزور تحديداً «انتصارات» ملحوظة، ويواصلون طردهم ما تبقى من قوات نظامية في المدينة، إذن فقد فتحت معركة الساحل الشهية أمام المقاتلين ليوجهوا ضربات متلاحقة للنظام الذي لا يبدو أنه بات قادراً على التعامل بهدوء أعصاب مع الحدث، وخاصة أن الأمر يتعلق بالقرداحة، وهي هنا تحمل المدلولات المعنوية نفسها التي تحملها بالنسبة للثوار، الذين يرون في سيطرتهم على المدينة بداية حتمية لإنهاء النظام، لكن ووفقاً للمفاهيم العسكرية والسياسية فإن القرداحة لا تمثل أكثر من مدينة أخرى قد تضاف إلى مجموعة المدن التي وقعت تحت سيطرة الثوار على مدى أكثر من عام ونصف من حملهم السلاح لمواجهة النظام، بل إن هناك مدناً أكبر مساحة وأهم استراتيجياً من القرداحة لم تثر هذه الزوبعة من ردود الأفعال من كلا الطرفين، حتى إن فقدان النظام سيطرته على نصف مدينة حلب العاصمة الاقتصادية للبلاد ظل في إطاره المعقول على الأقل ظاهرياً. فما الذي يميز القرداحة؟.

تبرز هنا وبإلحاح فكرة الدولة، بمقتضى حكم آل الأسد لها، فالقرداحة وفق المفهوم السوري كانت تمثل معقل آل الأسد على مدى أربعين عاماً، طبعاً إلى جانب تحوّلها إلى بؤرة لتفريخ «الشبيحة» وإدارة عمليات التهريب الكبرى، وكان من السهل على بعض المواطنين الحصول على الكثير من الميزات بسبب انتمائهم إلى القرداحة، كان معناها الرسمي يتلخص في أنها مدينة رئيسة أخرجت لسوريا رئيسين هما حافظ الأسد وابنه من بعده، وسوى ذلك فقلائل يكترثون أصلاً بما تنتجه القرداحة أو ما هي المحاصيل الزراعية التي تشتهر بها، وقد انصبّ اهتمام الدولة بها، فنالت حصة «الأسد» من مشاريع التنمية في حين أهملت بعض المناطق الأخرى، ولعل هذا ما جعل الوصول إليها يمثّل تحدياً كبيراً بالنسبة للثوار الذين قد يخسرون الكثير قبل أن يجتازوا الكيلومترات التي تفصلهم عن القرداحة.

وعلى الطرف المقابل يبرز الصراع الطائفي في أعلى درجاته خلال الحديث عن القرداحة وجوارها من المناطق والقرى التي ينحدر منها العلويون الواقفون إلى جانب النظام في حربه، ولعل هذا ما دفع بعض المراقبين المتخوفين للطلب من الثوار عدم الانجراف في معركة تحرير الساحل، لأن هذا قد يفتح الأبواب على حرب طائفية لا تحمد عقباها، وكأن ما مرت به مناطق ذات تنوع طائفي مثل حمص، وحماة مثلاً لم يكن سبباً أصلاً للدفع بالحرب الطائفية قدماً!

الحقيقة أن حرباً طائفية وفق المعطيات على الأرض ستؤدي بالضرورة إلى انتصار الأكثر عدداً، وهم هنا الطائفة السنية، وهذا ما يجعل من العبث بالنسبة للطرف الآخر، الطائفة الأخرى التلويح بمثل هذا الاحتمال لأن العودة عنه تتطلب جهوداً كبيرة وخسائر فادحة قد لا يكون النظام ومناصروه بل وحتى حلفاؤه قادرين على تحمل تكلفتها الباهظة، علماً أن قرى بعينها في الساحل السوري، وتحديداً تلك التي خسرت العديد من أبنائها خلال السنتين المنصرمتين قد بدأت تبدي نفاذ صبرها، وقد لا تجد بُدّا من مفارقة النظام، خاصة بعد أن عرفت مرارة النزوح إلى أماكن أكثر أماناً، وقد حرضت بعض الصور التي تم بثها على شبكات التواصل الاجتماعي- لنساء علويات وقعن أسرى في أيدي مقاتلي الجيش الحر- بعض أبناء تلك الطائفة على القول إلى متى يموت أبناؤنا وتؤسر نساؤنا دفاعاً عن آل الأسد؟

إذن، ومن هنا تمثل القرداحة رمزاً للدولة وفق المفهوم الضيق الذي تم ترسيخه في الحقبة الأسدية، فلم تعد العاصمة دمشق بكل ما تحمله من ثقل سياسي وتاريخي واجتماعي واقتصادي تمثل نقطة ضعف «دولة النظام» فهو قادر ببساطة على مغادرتها مستقلاً طائرته ليهبط في القرداحة ويواصل إدارة اللعبة الدموية من هناك، لكن ماذا سيفعل إن فقد القرداحة؟

8