وصلوا شيوخا فاسدين

كانت فجيعة العراقيين بمناضليهم العائدين من المنافي أقسى من فجيعتهم بالاحتلال. فمثلما كان جنود الولايات المتحدة غزاة، كان أولئك العائدون غزاة أيضا.
السبت 2018/03/03
حلت لعنة الاحتلال

وصل المعارضون العراقيون السابقون إلى السلطة وهم في سن لا تؤهلهم لتجديد مشاريعهم السياسية، إن كانت لديهم مثل تلك المشاريع طبعا. البلد الذي دمرته الحروب وصبر شعبه عليها وعلى ما نتج عنها من حصار دولي ظالم لا يستحق مكافأة بائسة من ذلك النوع.

كان الأولى بالمعارضين السابقين الذين يدّعون أنهم حاربوا النظام السابق دفاعا عن العدالة الاجتماعية أن يكونوا منصفين مع أنفسهم، فيقروا بأن دورهم انتهى وما ناضلوا من أجله قد تحقق.

لقد سقط النظام الذي اضطهدهم وشردهم وسلمهم للمنافي الطويلة، وكان عليهم أن لا يسقطوا في غواية السلطة التي ستكون بمثابة الفضيحة التي تعلن عن شيخوخة أحلامهم. كان العراق في حاجة إلى بناة يضخون في جسده دماء حياة جديدة، حياة يستطيع من خلالها استعادة حضوره في المجتمع الدولي، وهو الحضور الذي فقده عبر سنوات ليل عزلته الطويلة.

لقد انتظر العراق عودة أبنائه من الغرب محمّلين بخبراتهم العلمية والإنسانية، فإذا به يقع فريسة لخبراء في الاحتيال والجريمة والتزوير ونشر الفتن والتضليل والتجهيل وتجارة الموت. عمائم سوداء وبيضاء كانت الواجهة لمشروع ظلامي أطبق على العراق.

يومها حلّ الكابوس محل الحلم، واتضح للعراقيين أن أبناءهم من حملة العلم ليست مسموحة لهم العودة لبناء وطنهم وأن بلادهم صارت غنيمة حرب يتقاسمها حزبيون لا تعني لهم العدالة الاجتماعية شيئا.

كانت فجيعة العراقيين بمناضليهم العائدين من المنافي أقسى من فجيعتهم بالاحتلال. فمثلما كان جنود الولايات المتحدة غزاة، كان أولئك العائدون غزاة أيضا.

ما حدث للعراق كان أسوأ ما يمكن توقع حدوثه لبلد يتعرض للاحتلال. لم يكن ما حدث ينحصر في حدود الفضيحة السياسية، حين ضللت الولايات المتحدة الشعب العراقي بوعودها في الديمقراطية والحرية والحياة المعاصرة، في الوقت الذي كانت تسعى فيه إلى إقامة نظام طائفي بل كانت هناك فضيحة أخلاقية، كان فساد العائدين من العراقيين بمعية المحتل عمودها الفقري.

يومها حلت لعنة الاحتلال الحقيقية.

صوريا انتهى الاحتلال الأميركي حين غادرت قواته العراق عام 2011، غير أن المصيبة التي صنعها المحتل لا تزال تخيم على رؤوس العراقيين، وكما يبدو فإن تلك الخيمة المظلمة لن تزول في وقت منظور.

فالشعب الذي خيّب المعارضون السابقون رجاءه لا يملك على المستوى العملي وسيلة للتغيير. لقد ضاعت البوصلة في بلد لم يتعرف أبناؤه على أصول الحياة السياسية. أما بعد أن غزته الأحزاب الطائفية بثقافة الثأر والانتقام فإنه لم يعد متأكدا من أن الخلاص سيحل حين يظهر المهدي المنتظر.

لقد سعى الفاسدون إلى تطبيع الفساد من خلال نظرية انتظار قيام دولة الإمام العادل. وهي فكرة خرافية تستند إلى مرويات تركز على ضرورة أن تمتلئ الأرض فسادا تمهيدا لظهور المهدي. كان من سوء حظ العراق أن يكون كل تلك الأرض.

العراقيون اليوم يائسون لا من حكامهم الفاسدين بل من أنفسهم. وهو ما سيقود إلى ثورة على القيم السائدة، وبالأخص ما يتعلق منها بالتمييز على أساس العرق والطائفة.

ذلك الخيار الصعب لا بد أن يكون مستعبدا في ظل السلطة الدينية التي تمارسها مرجعية النجف. وهو ما يتطلب من شباب العراق أن يبذلوا جهدا كبيرا من أجل إسقاط تلك السلطة وفضح ارتباطها بالفساد.

وليس من باب المبالغة القول إن إصرار شيوخ الحكم على الإمساك بمقاعدهم في السلطة سيكون عاملا ميسرا لنشوء معارضة وطنية، يكون هاجسها الأساس تنظيف القيم من النفايات، ومن ثم البدء ببناء الوطن.

كان بإمكان المعارضين السابقين أن يجنبوا الشعب الذي ضحوا من أجله كل هذا العناء لو أنهم تعففوا وزهدوا بالحكم الذي لا يصلحون له بسبب شيخوختهم. يومها سيكون ذلك الشعب فخورا بهم، بدلا من أن يسعى إلى محاكمتهم بسبب فسادهم.

9