وصية الرسام الهولندي رامبرانت في عمل مسرحي فرنسي

في البدء كان كتابا في شكل وصية وضعه رامبرانت في أواخر حياته، وظل محفوظا لدى القبلانيين حتى ترجمه شاعر فرنسي تحت عنوان “رامبرانت قبلانيّا”، ثم تحوّل بفعل الفن الدرامي إلى مسرحية تعرض حاليا في مسرح رانلاغ بباريس، عنوانها “مخطوط رامبرانت”، تعيد إلى أذهان المولعين بالرسام العبقري الهولندي ملامح من فكره وعقيدته ورؤيته إلى الفن والعالم.
الاثنين 2016/02/01
صراع بين رفض الرحيل والأمل في الآخرة

يقال عن “مخطوط رامبرانت” أو كتابه “رامبرانت قبلانيّا” إن رمبرانت (1606 /1669) كتبه بنفسه في خريف العمر حينما انحدر إلى وضع بائس، واحتفظت به ستيلاّ، ابنة أفرائيم بونوس، صديق الرسام وعضو مجمع قابل (عالم بباطن التوراة)، قبل أن يُسلّم إلى جماعة من مريدي القبلانية (تفسير اليهود للتوراة صوفيّا ورمزيّا حسب التقاليد).

وقيل أيضا إن المخطوط ظل محفوظا من جيل إلى جيل حتى اهتدى إليه شاعر فرنسي يدعى راوول مورغ (1886 /1950) فترجمه عن الهولندية، ونشره في سويسرا عام 1948 بعنوان “رامبرانت قبلانيّا”.

ولا يعلم إلاّ المتخصصون ما إذا كان هذا المخطوط حقيقيا كما جاء في مقدمة الكتاب، أم هو مجرد حيلة فنية جعلها الكاتب الفرنسي مطية لتمرير معاني روحية وجمالية وفلسفية تزخر بها سيرة الفنان الهولندي.

مونولوج مزدوج

سيلين دوهاميل لم تحفل بتلك الخلفيات، حسبُها أنها انبهرت بالكتاب وأعدّت منه نصّا مسرحيا يقوم على ما تسميه “ديالوغ”، بمعنى مونولوج مزدوج ينهض به كل من باتريك فلورشايم في دور رامبرانت، وهي نفسُها في دور ستيلاّ (إلى جانب النساء اللائي ملأن بحضورهن حياة الفنان) فكانت مسرحية “مخطوط رامبرانت” التي تعرض حاليا في مسرح رانلاغ بباريس.

تقول سيلين دوهاميل: اخترت أن أقطف جوهر هذه الوصية الفلسفية، التي لا يزال تساؤلها عن الحياة والبشر حاضرا في المسرح، من جهة الشكل ابتعدت عن المونولوج الأصلي الذي يناسب نبرة الوصية لخلق حوار بين رامبرانت وستيلاّ، غايته تجسيد الضرورة الملحة التي دفعت الرجل إلى مراجعة حصاد العمر قبل المرور إلى الضفة الأخرى.

فهو يحكي، بتأثير من تلك الشخصية الأنثوية، ومن الداخل، حياة مجللة بالمتناقضات، بين أضواء وظلمات، أضواء المجد الذي حازه بفضل لوحاته الفريدة، وظلمات النفس الغاضبة الثائرة على حياة لم تمض دائما كما يهوى.

المسرحية تفتقد إلى الحركة لأن صياغتها لم تقم على بنية روائية درامية، فالغاية هنا هي الإفادة والحض على التفكير

فستيلاّ هنا تتخذ أكثر من وجه، فهي ابنة صديقه، وخادمته، وزوجته، والنساء اللاتي أحبّهنّ، وصوته الباطن، والموت، والملاك، والنجم البعيد المنال، وقد تكون فقط مجرد بحثه هو عن المعرفة، عن المعارف بعامة.

فهو يتوجه إلى امرأة أحبّها، ويذكر أعظم لوحاته، ولكنه يروي أيضا بحثه عن اللامرئي، الذي لا يدرك بالحسّ، وما يتخفى خلف الواقع، وحبّه للنساء، وبغضه للأثرياء الذي يقصدونه، إذ يفسر سبب إنجازه عدة بورتريهات عن شخصه بلغت اثنين وستين، يبدو فيها كلها ذا نظرة حادة ثاقبة، بكونه كان يفضل ذلك على رسم بورتريهات لبورجوازيين نرجسيين يريدون تجميل حياتهم البائسة.

وبمرور الوقت تجد الكلمات أصداء متعددة، وتتضح لوحات الفنان من خلال كشفه عن بعض الأسرار، كحديثه عن واحدة من أشهر لوحاته “درس تشريح للدكتور تولب”، واعترافات تعكس صراعه الداخلي أمام أسرار الخلق وألغازه، وتساؤلات حائرة عن البشر والجنس والحرب والمال والموت والدين. والمتفرج يلج هنا الحياة الخاصة للرسام، وكذلك اللحظات الأخيرة لرجل يسير به قدره إلى النهاية المحتومة، فإذا مشاعر دفينة تطفو على السطح بحضور حادّ ملموس، وإذا غضب مكتوم يتفجّر، وإذا انفعالات حية، حامية أو معتمة، تتجلى للعيان.

فيخيل لمن يرى شخصيته على الركح أنه إزاء فنان مفرد بصيغة الجمع: فهو باحث، وصاحب رؤى، وفيلسوف، وذو أنفة وكبرياء رغم بؤسه.. يتجسد حيّا كي يخاطبه ويوجه إليه وصيته، أو وصاياه. وهذا ليس غريبا على فنان سيقول عنه من بعده فان غوخ وهو يتملى لوحاته “لا بدّ أن يموت المرء مرّات كي يرسم هكذا”.

رامبرانت قدم في وصيته اعترافات تعكس صراعه الداخلي أمام أسرار الخلق وألغازه، وتساؤلاته الحائرة

الحض على التفكير

المسرحية تفتقد إلى الحركة لأن صياغتها لم تقم على بنية روائية درامية، فالغاية هنا هي الإفادة والحض على التفكير، والإخراج بسيط كان التركيز فيه على تهيئة أجواء أمستردام خلال القرن السابع عشر، لأن ما يؤثث الركح هنا ليس الفعل الدرامي بقدر ما هو حديث فنان يسترجع في نبرة عميقة جادة لا تخلو من شاعرية أصداء ماضيه الحافل بالمتناقضات.

يقول المخرج باتريك كورتوا: صغت هذا العمل كتهيئة للرحيل، كآخر يوم يتبقى قبل إنهاء مخطوط عن حياة كاملة منذورة لرسم لوحة لن تكتمل، كفرصة للعيش لحظة حميمة ومفاجئة ينوب فيها صفاء الذهن عن الخوف من النهاية الوشيكة.

فالشخصيتان تعيشان في احتدام صراعا بين رفض الرحيل والأمل في الآخرة، لقد أردت هذا العمل كلحظة خاطفة مستلة من حياة كاملة، لا كذاكرة مثقلة بما جرى. وأيا ما تكن نقائص الإخراج، فإن جودة النص يمنح المتفرج فرصة التعرف على حياة رامبرانت من الداخل، رامبرانت الذي يتجسد أمام الأنظار تحت ظل لوحاته الأكثر شهرة، وقد نجح باتريك فلورشايم في تقمص شخصية معقدة لفنان دائم البحث عن سبيله وعن نفسه، فنان يعتبر أن للون الأسود وحده فروقا تفوق الألف، فيما استطاعت سيلين دوهاميل أن تؤكد بحضورها ورقّتها الجانبَ الإنساني لدى ذلك الفنان العبقري.
16