وصية القاتل

الجمعة 2013/09/06

أوصى الحجاج ابنه وصية واحدة قبل موته، طلب منه إذا وافته المنية أن ينقل جثمانه إلى المقبرة بخط مستقيم من البيت إلى المقبرة. تعجب ابنه وقال لأبيه «ولكن الطريق إلى المقبرة موجودة وواضحة؟ كيف تريد مني أن أزيل البيوت التي في الطريق إلى المقبرة؟ وماذا سيقول عني الناس»؟ قال الحجاج: سيقولون عنك أنك أعتى وأشر من أبيك وسيترحمون علي، أنت مازلت شابا وتستطيع تصليح الأمور. الحكومة العراقية التي جاءت بعد الديكتاتور المقبور تنفذ اليوم وصيته على أحسن وجه، حتى جعلت الناس تتمنى عودته، لكن هل لدى هذه الحكومة الوقت لتصحيح ما اقترفته من أخطاء بعد كل هذه الأزمات؟

في واقع الحال لم تكن هناك حكومة عراقية منذ التغيير وحتى هذه اللحظة في المقاييس المتعارف عليها في عالم السياسة، إذ أن نصف الكتل التي تشكل هذه الحكومة تعمل كما لو أنها في المعارضة بحيث كانت ومازالت تسعى إلى إعاقة عمل الكتل التي تمسك بالسلطة الحقيقية في العراق.

وبما أننا نتحدث عن السلطة فإن كل كتلة في الحكومة تمثل سلطة تكاد تكون «ميليشيا» وبالتالي فنحن لدينا مجموعة من الميليشيات تجعل في النهاية من شكل هذه الحكومة، حكومة ميليشيات غالبا ما تتحاور بالسلاح وبالسيارات المفخخة وتهدد الناس بالحرب الأهلية كلما اشتدت الأزمة.

لا يختلف عمل مجلس النواب العراقي عن عمل الأحزاب/ الميليشيات، فهو يستطيع أن يعطل أي مشروع قرار لا يلائم بعض الكتل المتنفذة، وبالتالي لا يصوت عليه ويهمل في نهاية الأمر، لكن أكثر ما يثير السخط أن هذا المجلس يجتمع ويكتمل نصابه ويحضر جميع أعضائه إذا كان هناك مشروع قرار لصالح هؤلاء الأعضاء، كما حصل عندما صوّت هذا المجلس على تخصيص سيارات مصفحة ضد الرصاص لجميع أعضاء البرلمان، حتى إن التفجيرات الدامية في بغداد لم تمنع هذا المجلس من تأجيل القرار احتراما للدماء التي غطت شوارع بغداد في اليوم الذي صوت فيه المجلس على القرار.

مفهوم السياسي الطارئ ينطبق على أغلب الذين يقودون مصائر الناس في بلاد الرافدين منذ ما يقرب من عشر سنوات، والطارئ الذي يتذوق حلاوة السلطة والجاه والمال لا يتورع عن القيام بأي عمل من أجل الحصول على أكبر قدر من هذه الامتيازات لأنه يعرف أنه سيرحل في أية لحظة قد تستفيق البلاد فيها من الكابوس. إنه أشبه باللص الذي يريد أن يحمل كل ما يستطيع حمله في غزوة واحدة. على ضوء هذا الفهم والتصور تعمل الحكومة والبرلمان العراقيان، ولا ننسى طبعا أجندات دول الجوار وأثرها الكبير في رسم سياسات الكتل في صناعة الأزمات وتفعيل الملف الطائفي الذي يلوّح به الجميع هذه الأيام. يعرف الجميع في الحكومة والبرلمان والكتل السياسية أن حل هذه الأزمات وخروج البلاد من مشاكلها المتراكمة يكمن في حل البرلمان والاتجاه إلى الانتخابات المبكرة، لكنهم في المقابل يعرفون جيدا أنهم سيرحلون جميعا إذا حصل هذا الأمر، وبالتالي لن يدعو إليه أحد خصوصا إن الجميع يعرف أن المالكي يمكن أن يحظى بدورة ثالثة في الوزارة، لأن الجيش كله سيكون معه. في زمن الديكتاتور كان الناس يلقون باللوم كله عليه لأنه يخطط وينفذ وحده، لكن الناس اليوم، لا تستطيع أن تلقي باللوم كله على المالكي لأنه رئيس الحكومة الفاشلة بل على جميع الطارئين الذين حوّلوا عاصمة الرشيد إلى مزبلة كبيرة.

لا تنجو المرجعية الدينية من هذا الأمر فهي تتحمل الكثير من الأخطاء التي صاحبت العملية السياسية من أجل الحفاظ على المذهب وطقوسه حتى إذا تعارض ذلك مع قيم بناء الدولة أو النهوض بالمجتمع متعدد الطوائف والقوميات. فالمهم أن تبقى السلطة عند المكوّن الذي يحمي المذهب ويذود عنه. هذا هو المأزق الذي لم تستطع المرجعية الدينية معالجته مع كل ما تتمتع به من قوة وعلم واستشراف للمستقبل.

كاتب عراقي

9