وصية فنسنت

الاثنين 2018/01/22

هرب فنسنت فان غوخ عام 1888 إلى مصيره الشخصي في آرل جنوب فرنسا من قدره الباريسي عضوا في قبيلة انطباعية. لقد ترك الفنان البلجيكي كل شيء وراءه. غمرته شمس الجنوب بعاطفتها فصار يرسم بغزارة وفي ذات الوقت كانت رسائله تغمر أخيه تيو بأفكار عن الفن فريدة من نوعها.

لقد أحب الكثيرون الرسام بسبب رسائله المكتوبة بعفوية يحسدها عليه الكتاب. فنسنت الذي نعته نقاد الفن بباريس ساخرين بالرسام الصيني كان في حقيقة ما فعله قد سعى إلى أن يكون الرسم وصيته الشخصية.

رسم وجهه في السنتين الأخيرتين من حياته أكثر من ثلاثين مرة. في كل مرة يظهر وجه مختلف. صحيح أن تلك اللوحات تحولت إلى لقى متحفية في ما بعد غير أنها في الأساس قد رسمت لتحتل مكانا بارزا في ذاكرة العاطفة البشرية. يحفظ الكثيرون مقاطع من رسائله.

فنسنت كان ساحرا في التعبير من خلال الكتابة عن شعوره بالألم الناتج عن عزلته، وكان في الوقت ساحرا في التعبير من خلال الرسم عن اكتفائه بنفسه. كان عالمه يكتمل حين تمتزج صورته بزئبق المرآة. فنسنت كان ذلك الرجل المدهش الذي قال ورسم كل شيء سيبقيه خالدا في وقت قياسي هو عبارة عن حلم بين اغماضتين.

لقد نظر فنسنت إلى صورته الشخصية باعتبارها عالما كاملا. هو ذلك العالم الذي يلخص وصيته في الحزن. “متى ينتهي هذا الحزن؟” قال لأخيه ولكنه حزن صنع متعة هائلة عنوانها التأمل الخلاق في أحوال الرسم. لن ينتهي ذلك الحزن يا فنسنت.

اليوم ترى الملايين من البشر صور فنسنت الشخصية وتقف أمام ألمه عاجزة. فلا أحد في إمكانه أن يقول “شكرا”. أيمكن أن يُشكر المرء على ألمه؟ “لقد ضحيت من أجلنا” وهي جملة سيضحك فنسنت بسببها لأنها تذكره بماضيه الديني. الأفضل أن يقال له “لقد خدعتنا”. حينها فقط سيضحك فنسنت. إنها الجملة التي تصف مكيدته التي صنعت من الرسم مصيرا.

كاتب عراقي

16