وضاح فارس يستعيد بيروت البيضاء فوتوغرافيا

“بيروت، مدينة من نسيج رغبات العالم/يوميات وضاح فارس”، هو العنوان المطوّل الذي أطلق على معرض تحتضنه صالة “صالح بركات” بالعاصمة اللبنانية بيروت، والذي يضم بشكل رئيس صورا فوتوغرافية التقطتها لحسن الحظ عدسة الفنان المتعدد الأهواء وضاح فارس بالأسود والأبيض عن كوكبة من الوجوه والمشاهد الوامضة من زمن بيروت الذهبي الذي اشتد بريقه ما بين سنة 1960 والسنة التي انفجرت فيها الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975، لتُسقط على المدينة مقصلتها دون أن تنجح في إعدامها.
الجمعة 2017/06/02
شاهد ومشهود له

بيروت – أكمل ما يمكن أن تكونه الأمور عندما تتشارك في إنتاجه عناصر عدة يحكمها الشغف والخبرة والدراية التامة، كما هو الحال مع معرض الفوتوغرافي اللبناني وضاح فارس والمعنون بـ”بيروت، مدينة من نسيج رغبات العالم/يوميات وضاح فارس” الذي تعرضه حاليا في صالة “صالح بركات” البيروتية.

وضاح فارس الفنان والفوتوغرافي وصاحب صالة “كونتاك” الرائدة والتي أخذت على عاتقها الترويج للفنانين اللبنانيين والعرب، في حين كانت العديد من الصالات التجارية منهمكة بعرض الأعمال الفنية الغربية، هو من التقط الصور بدافع الاهتمام بزملائه وأصدقائه وواكب واشترك في تكوين الحياة النابضة التي عرفتها بيروت.

أما الحيز المكاني الذي عرضت فيه تلك الشواهد الحيّة عن مدينة لن تموت، فليس هو إلاّ ذلك المُشبع بالدلالات والذي أنقذه صالح بركات، الشخصية الفنية المتشرّبة بفكر وثقافة بيروت، والذي يشهد تاريخ ميلاده سنة 1967 على أنه من جيل الحرب عن جدارة، حينما أخذ على عاتقه تحويل المكان إلى صالة فنية شاسعة عندما كان مهددا بأن يصبح مستودعا للبضائع، وهو الذي كان سابقا “سينما كليمنصو”، المكان الأوّل في المنطقة العربية الذي عرضت فيه أفلام غير تجارية لكبار المخرجين السينمائيين من أمثال برغمان وفيلليني، وذلك قبل أن يتحول إلى مسرح المدينة القديم الذي لعب دورا ثقافيا مميزا هو الآخر، تحت إدارة نضال الأشقر.

منذ بداية عهد الصالة الجديدة على يد صالح بركات استمر الفن العربي واللبناني محط اهتمامه، أي اهتمام صالح بركات، إن كان معاصرا، حديثا، أو منتميا إلى زمن الرواد تماما، لا بل أكثر مما كان الحال مع صالة “كونتاك” الفنية التي أسسها وضاح فارس في زمن الستينات الذهبية من القرن الماضي.

يُذكر أن فارس كان يهمّ بافتتاح صالة أخرى غير “كونتاك” في منطقة الرملة البيضاء باسم “الرواق”، حتى أنه أعد شعارا لها وكثّف من جولاته في الدول العربية لاستقدام المواهب والتجارب الفنية العربية إلى قلب بيروت الشبيهة آنذاك برحم لا تنضب ماؤه، تمهيدا لافتتاحه للصالة، غير أن الحرب الأهلية أجهزت على هذا الحلم كما على الآلاف من الأحلام وأدخلت بيروت في الزمن الجليدي الذي استمر، في نظر البعض، إلى يومنا هذا.

نفض وضاح فارس في معرضه الأخير غبار 40 سنة عن صندوق ضم صورا قام بالتقاطها في زمن بيروت الذهبي الذي اشتد بريقه ما بين سنة 1960 والسنة التي انفجرت فيها الحرب الأهلية اللبنانية؛ سنة 1975، تلك الفترة البيروتية العائمة على زبد الذاكرة، ذاكرة لا هي أرادت أن تغور إلى عتمة الأعماق ولا استطاعت حتى اليوم أن تعيد استيلاد ذاتها في شكل أمواج تعيد تلاطمها الصاخب على صخور أجمل المدن قاطبة، بيروت.

من الوجوه التي صورها وضاح فارس نذكر الفنانة منى حاطوم، والفنانة ناديا صيقلي والفنانة نهاد الراضي والفنان شفيق عبود والفنان فريد حداد وبول طنوس، ومن الأدباء والصحافيين والشعراء نذكر الشاعر أنسي الحاج، والفنان عجاج العراوي رئيس قسم الإخراج في جريدة “النهار”، والشاعر يوسف الخال والشاعر شوقي أبوشقرا والكاتب عصام محفوظ والكاتبة حنان الشيخ والكاتبة نجاح طاهر وغيرهم من الوجوه الذين مروا ببيروت أو تركوا أثرهم على تلك الفترة المضيئة من الحياة.

وضاح فارس ينفض غبار 40 سنة عن صندوق ضم صورا قام بالتقاطها في فترة بيروتية عائمة على زبد الذاكرة

ومع ذلك، فأكثر ما يلفت في هذا المعرض أن المرء لا يغادره إلا وروحه مثقلة بالأسى على ماض عرفه أو عايشه أو تذكر منه الشيء القليل، وسمع وقرأ عنه مثل ما حدث مع صالح بركات، صاحب الصالة، وغيره من جيل الحرب المُتصل اتصالا روحيا بنبض بيروت الستينات حتى يومياتها القلقة هذه.

المعرض ناصع البياض كقماش لوحة لم تلمسها بعد ريشة فنان عظيم سيولد من دون شك، بمعنى أن الجوّ العام يبث أولا فرحا غريبا يهمس للزائر قائلا “كل الذي كان هو الآن في كل ما تراه”.

الفرح الغرائبي المُنتشر في فضاء الصالة ينتظر الفرصة لكي يعود إلى الحياة خارج العصر الجليدي الذي إن كان صقيعه قد أدمى الكثيرين، إلاّ أنه حافظ على نيات بيروت المُبيتة، إذا صح التعبير، من التلف والانحلال التام.

وتأتي بضع كلمات من صالح بركات لتضعنا في صلب أهمية المعرض واختلافه عن أي حدث ثقافي تناول حتى الآن بيروت الستينات، يتساءل صاحب الصالة قائلا “هل من الممكن إعادة ربط أوصال المدينة ببعضها البعض على النحو الذي كانت عليه سابقا؟ نعم. ولكن كيف؟ لا زلت أبحث عن وسيلة لتحفيز ذلك، ثمة فوران ثقافي في كل زاوية من بيروت، لا بل في كل منطقة من لبنان، ليس كل مُبتذل يصرخ في وجهنا اليوم هو كل ما في بيروت الآن”. ويواصل “هناك الكثير من التجارب الفنية والفكرية تختبئ في شرانقها أو تكاد تخرج أجنحتها إلى ضوء الشمس، العزلة والسأم وهموم الحاضر المتراكمة تجعل الأمر يتطلب مبادرات فردية وجهدا بطوليا”.

لا شك في أن ذلك يتطلب جهدا بطوليا ولكن، كما قال المفكر جان بودريار الذي تزداد كتاباته صوابية كلما مرّ الزمن، “ما نفع المجتمعات إن كانت خالية من النفحات البطولية؟”.

17