وضع اجتماعي هش للمرأة الموريتانية يعمقه تفاقم الطلاق

الأحد 2015/02/22
الأعراف الاجتماعية تكبل المرأة الموريتانية

نواكشوط - أثار تقرير موريتاني رسمي يتعلق بواقع المرأة والأسرة في هذا البلد، الهلع في نفوس عدد من المراقبين لوضع النساء هناك.

أكد التقرير الذي أصدرته وزارة التنمية الموريتانية أن نسبة الطلاق بلغت 31 بالمئة بموريتانيا، حيث يتم الانفصال في 60 بالمئة منها في السنوات الخمس الأولى بعد الزواج، معتبرا أن عدة عوامل ساهمت في رفع نسب الطلاق إلى هذا الحد، على رأسها العوامل الاجتماعية والاقتصادية.

ويشير باحثون موريتانيون إلى أن نسب الطلاق في موريتانيا تشهد ارتفاعا مذهلا في السنوات الأخيرة، كما تؤكد منظمات ناشطة في المجتمع المدني أن الفشل العائلي جعل من موريتانيا هي الأعلى بين الدول العربية في نسب الطلاق.

وتتعمق الظاهرة وفقا لمتابعين بغياب نصوص قانونية واضحة تحمي المطلقات، ما يشجع الكثير من الأزواج على اتخاذ قرار الطلاق بسهولة، خصوصا وأن المرأة الموريتانية وكذلك ذووها يمتنعون تحت ضغط الأعراف الاجتماعية من مطالبة الزوج بأي التزامات مادية نحو زوجته السابقة وأبنائه.

من جهة أخرى، يرجح بعض الباحثين في علم الاجتماع أن سهولة الزواج في موريتانيا تعد سببا رئيسيا في شيوع الطلاق على نطاق واسع، ويوضح الباحث محمد محمود ولد الغيلاني ذلك في تصريحات سابقة بقوله إن الزيجات الحديثة في موريتانيا لا تتسم بطابع الثبات والاستقرار، لذلك فهي تنتهي بالطلاق لأسباب كثيرة، منها سوء الاختيار والتسرع في اتخاذ قرار الزواج، إضافة إلى غياب الوعي بالحقوق والواجبات.

الوضع الهش للمرأة الموريتانيةيزدادقتامة، بعد صدور تقارير رسمية تنبه إلى استفحال ظاهرة الطلاق بشكل مخيف، ما حدا بمنظمات المجتمع المدني إلى إطلاق صيحة فزع لإيجاد الحلول الكفيلة بوقف الظاهرة

ويضيف ولد الغيلاني “جهل كل من الزوج والزوجة بمفهوم الزواج والعائلة، وعدم شعورهما بمسؤولية الحياة الزوجية، إضافة إلى الأعراف والعادات الاجتماعية التي تشجع على الزواج المبكر، تجعل الكثيرين يعتقدون بأن الزواج أمر سهل وبسيط، وحين يفاجئون بمسؤولياته يتهربون ويفضلون الانفصال، خاصة أن نظرة المجتمع الموريتاني للطلاق ليست كما هي الحال عليه في العالم العربي”.

ويلفت الباحث إلى أن العادات الاجتماعية تظلم المرأة، لأنها تمنعها من مناقشة الوضع المادي لزوجها المستقبلي قبل الزواج وفرض شروط كالمهر والبيت والنفقة، كما تحرمها من البحث عن حقوقها المادية في حالة وقوع الطلاق، فالمجتمع يعتبر ذلك وصمة عار.

وقد أكد التقرير أن الطلاق في موريتانيا لا يحدّ من فرص المرأة في الزواج مرة ثانية وثالثة، إذ أن نسبة 74 بالمئة من النساء اللاتي تعرضن للطلاق في زواجهن الأول، تزوجن من جديد، كما أن نسبة 25 بالمئة من النساء تزوجن مرتين على الأقل، و7 بالمئة تزوجن ثلاث مرات فأكثر.

وتطرق التقرير، من خلال معلومات دقيقة، إلى نسب الأطفال الذين يعيشون مع أحد أبويهم، والذين يعيشون دون أي منهما، وكذلك نسب الفقر، والوضع الصحي في البلاد. وأكد أن الموريتانيين يقبلون على الزواج بوصفه “ممارسة شبه عامة في موريتانيا”، مشيرا إلى أن الفئة العمرية 45 إلى 49 سنة، لا يبقى منها من دون زواج سوى 2 بالمئة من النساء، و1 بالمئة من الرجال.

وعن سن الزواج في موريتانيا بينت الوثيقة أن نسبة الزواج تصل إلى 24 بالمئة في الفئة العمرية 15-19 سنة، و51 بالمئة في الفئة العمرية 20-24 سنة.

المرأة في موريتانيا تسعى جاهدة لإثبات ذاتها في الحياة السياسية والاجتماعية

في جانب آخر، حذر التقرير من انعكاسات نسب الطلاق المرتفعة على الأطفال الموريتانيين، إذ أن نحو 44 بالمئة فقط من الأطفال بمختلف فئاتهم العمرية يعيشون مع أحد أبويهم دون الآخر بعد الطلاق، بينما النسبة الباقية لا يعيشون لا مع آباءهم ولا أمهاتهم، رغم أن آباءهم على قيد الحياة، إذ يتكفل الوسط العائلي بإيوائهم.

وأكد التقرير أن آثار التفكك الأسري تطال حتى الأطفال الرضع، إذ أن 4 بالمئة من الأطفال الذين لم يكملوا العامين لا يعيشون مع أي من أبويهم.

وأثبتت الدراسة أن أعلى نسبة للطلاق في البلاد كانت من نصيب المجموعة العربية في المجتمع الموريتاني الذي يتميز بتعايش عدد من الأقليات فيه.

هذا وتجدر الإشارة إلى أن تعدد الزوجات أمر نادر الحدوث في المجتمع الموريتاني، وتتمتع المرأة في المقابل بحرية الطلاق والزواج عدة مرات أخرى. ويعتبر موضوع الطلاق أكثر الأمور التي يخافها الرجل الموريتاني، في حين تُستقبل المرأة المطلقة بالزغاريد وإطلاق النار في الهواء، حتى يظهر الأهل والأصدقاء والجيران فرحتهم وسعادتهم الكبيرة بنية رفع معنويات المطلقة ومنحها الثقة في نفسها.

كما أن الطلاق في المجتمع الموريتاني لا يقترن بوصمة العار الاجتماعية، وإذا لم تحصل المرأة على حقوقها الكاملة في الزواج الأول، يمكنها المحاولة مرة ثانية وثالثة ورابعة وحتى خامسة، حيث تتزوج المرأة المطلقة عادة مباشرة بعد انتهاء عدتها، لذلك لا تحزن النساء على طلاقها.

وفي مقابل ارتفاع نسبة الطلاق، تسجل نسبة الزواج الثاني أيضا ارتفاعا بين الموريتانيين، فيقلل ذلك من تأثيرات وتداعيات الإخفاق العائلي الأول، الذي وصل إلى مستويات قياسية في البلد.

من ناحيتها تشير الناشطة الحقوقية مريم بنت سيدي محمود إلى أن الإقبال على تكرار تجربة الزواج يساهم إلى حد ما في معالجة آثار الطلاق المرتفع في المجتمع الموريتاني. وتضيف أن “نسبة النساء اللواتي يتزوجن للمرة الرابعة والخامسة والسادسة مرتفعة في موريتانيا، وتقدّر بنحو 10 بالمئة من مجموع المطلقات”.

وتلفت الناشطة إلى أن بعض النساء يتفاخرن في مجالسهن بعدد زيجاتهن، وقدرتهن على جذب المزيد من الأزواج.

خلافا للوضع في معظم المجتمعات العربية، فإن الموريتانيات لا ينتابهن الحزن على طلاقهن، وغالبا ما يتزوجن مباشرة بعد انقضاء مدة العدّة.

وتشرح محمود الأمر بأن المرأة في موريتانيا تتمتع بحرية الطلاق والزواج مرات عدة، طالما أنها اختارت مَن يناسب وسطها العائلي.

31 بالمئة من حالات الزواج في موريتانيا تنتهي بالطلاق وفقا لإحصائيات رسمية

ومن المفارقات أن هذه العادة ساهمت منذ وجودها في رفع مكانة المرأة الموريتانية في مجتمعها، دون أن يؤثر ذلك على مكانة الرجل وهيبته، وبدأت هذه الظاهرة تنحصر مؤخرا بسبب انتشار الوعي، في بعض المدن ولكن نسب الطلاق مع ذلك لا تزال عالية.

ويقول الناشط الاجتماعي المامى ولد محمد إن “المرأة الموريتانية المطلقة تتفاخر أمام قريناتها بعدد المرات التي تزوجت فيها، بعضهن تزوجن لأربع وخمس مرات، ويعتقدن أن ذلك أكبر دليل على جمالهن وأنوثتهن، التي مكنتهن من جذب المزيد من الأزواج”.

ويؤكد المحلل الاجتماعي المختار ولد ألين “في اتفاقيات الزواج يتم إضافة التعهد التالي: “لا زوجة قبل، ولا زوجة بعد، وإذا تم ذلك يكون القرار في يد الزوجة”، وهو ما يعني أن الرجل إذا تزوج بامرأة ثانية تملك المرأة الأولى الحق في الطلاق إن رغبت في ذلك.

وحسب بيانات من الوزارة المكلفة بشؤون الأسرة في موريتانيا، فإن آخر مسح إحصائي قامت به للسكان، أوضح أن نسبة تعدد الزوجات لدى الأغلبية العربية لا تتجاوز 2.5 بالمئة، بينما ترتفع النسبة لدى الأقلية الزنجية إلى أزيد من 53 بالمئة، من بينهم 10 بالمئة من الرجال لهم أربع زوجات”.

وكانت منظمات اجتماعية موريتانية غير حكومية قد دقت ناقوس الخطر لارتفاع نسب الزيجات الفاشلة، تتقدمها منظمة النساء معيلات الأسر ذات النشاط الواسع. وقد نقلت هيئة كريدم عن إحصائيات حديثة أن معدل الطلاق في المجتمع الموريتاني ازداد على مر السنين، ليصل اليوم إلى نسب مفزعة. وتشير دراسة لوزارة شؤون المرأة إلى أن هناك أسبابا ثلاثة للطلاق في موريتانيا، حيث تبلغ نسبة الطلاق الناجم عن الخلاف بين الزوجين 20 بالمئة، بينما تبلغ نسبة الطلاق الناتج عن إرغام المرأة على الزواج 16 بالمئة، وتبلغ نسبة الطلاق الناجم عن مشاكل زوجية 14 بالمئة.

ظاهرة الطلاق تتعمق في ظل غياب نصوص قانونية واضحة تحمي المطلقات، ما يشجع الكثير من الأزواج على اتخاذ قرار الطلاق بسهولة

وتؤكد الدراسة أن نسبة الطلاق الناجم عن عدم تفاهم الزوجة مع أسرة زوجها 20 بالمئة، في ما تبلغ نسبة الطلاق الناجم عن عدم تفاهم الزوج مع أحمائه 7 بالمئة.

ورغم تكرار الحوادث المأساوية التي تحدث خلال تجربة الزواج المبكر لبعض الفتيات في موريتانيا، فإن ذلك لم يمثل سببا كافيا للتوقف عن هذه العادة.

وقد شرعت الحكومة الموريتانية في تشكيل لجنة من مختلف القطاعات، بهدف تنظيم ورشات تكوينية وأخرى توعوية في مختلف الولايات، لصالح رجال الدين ومنظمات المجتمع المدني والآباء بغية شرح المخاطر الصحية والتنموية المترتبة عن تزويج الأطفال.

يقول عبدالله جاكيتي رئيس اللجنة متعددة القطاعات المكلفة بمتابعة حملة مناهضة زواج الأطفال، إنه ” بدلا من تحميل الطفل مسؤولية إعالة أسرة، ينبغي أن نرسله إلى المدرسة لصناعة شخص فاعل في التنمية”.

ولتفادي العديد من التحفظات التي كثيرا ما تواجه هذا الموضوع يقول جاكيتي “قررنا اختيار شعار زواج الأطفال بدلا من كلمة الزواج المبكر، لتفادي الدخول في التأويلات التي عادة ما تحيط هذه الكلمة، كي لا يستغلها البعض لتبرير تزويج الفتيات في سن مبكرة، وقد نجحنا في احتواء تلك الاعتراضات”.

ويكشف عبدالله جاكيتي أن الانتشار الكبير لظاهرة زواج الأطفال في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة، جعل الحكومة تنخرط بقوة في الحد منه، حيث تشير إحصائيات سنة 2011 إلى أن نسبة 37 بالمئة من الفتيات تزوجن قبل بلوغهن 18 سنة، بينما وقع تزويج 25 بالمئة قبل بلوغهن عمر 15 سنة. أما في الوسط الريفي فإن نسبة 17 بالمئة من الفتيات تزوجن قبل سن 15، في حين وصلت نسبة اللائي تزوجن قبل 18 سنة إلى 41 بالمئة.

لكن المنظمات الحقوقية تقدم صورة أكثر سوءا، حيث ترى الناشطة الحقوقية آمنة منت المختار رئيسة رابطة النساء معيلات الأسر، بأن النسبة الإجمالية لزواج القاصرات تتجاوز 32 بالمئة وفق آخر الإحصائيات المتوفرة لدى منظمتها.

20