وضع رجال الأمن في تونس يعرضهم للاستقطاب الحزبي

شروط تأمين المؤسسة الأمنية في تونس من الاستقطاب السياسي مازالت غير كاملة حتى اليوم، الأمر الذي يجعل من المسؤولين الأمنيين فريسة سهلة لاستمالتهم من قبل الأحزاب الكبرى المهيمنة على المشهد السياسي في تونس.
الخميس 2017/01/05
حماة الديار لا قانون يحميهم

تونس – قال وزير الداخلية التونسي الهادي المجدوب، إن كل طرف سياسي في البلاد يسعى لأن يكون له موطئ قدم في وزارة الداخلية من خلال استمالة المسؤولين الأمنيين، مشيرا إلى أنه من المهم ألا تتورط الوزارة في خدمة جهات حزبية وتصفية حسابات سياسية.

وأضاف الوزير “أن وزارة الداخلية هي أحد أقوى أعمدة النظام في تونس والكل يقول إنه إن أراد الحكم جيدا يجب أن تكون الوزارة معه”.

وتأتي تصريحات وزير الداخلية تأكيدا لما كانت إحدى النقابات قد حذرت منه في شهر أكتوبر الماضي.

ووجهت نقابة الأمن الجمهوري والديوانة حينها رسالة مفتوحة إلى رئاسة الجمهورية والحكومة ووزراء الداخلية والعدل والوظيفة العمومية والحوكمة، وإلى المسؤولين عن الهيئات والمنظمات الوطنية.

ونبهت النقابة في الرسالة إلى ما اعتبرته خروقات في وزارة الداخلية، وخاصة في ما يتعلق بمسألة الأمن الموازي واختراق المؤسسة الأمنية والفساد فيها معلنة فيه “مشاركتها في حملة تطبيق القانون على الفساد الذي يعد الأكثر تعقيدا بالبلاد”.

حوالي ثلاثة ألاف تونسي في بؤر التوتر
تونس - كشف وزير الداخلية التونسي الهادي المجدوب عن العدد الرسمي للإرهابيين التونسيين المتواجدين في بؤر التوتر، مشيرا إلى أن عددهم لا يتجاوز 2929.

وأضاف أن “الدّاخلية تمتلك أسماء هؤلاء الإرهابيين جميعا”، مؤكدا أن “أرقام الوزارة دقيقة وقد استقتها من مصادر مختلفة”.

كلام المجدوب جاء الأربعاء، في جلسة استماع بلجنة الأمن والدفاع بالبرلمان التونسي، خصصت للتباحث حول الوضع الأمني العام في البلاد.

وكشف أن “العديد من هؤلاء قتلوا في بؤر التوتر (في إشارة إلى ليبيا والعراق وسوريا) ومنهم من هم متواجدون في سجون بعض الدول على غرار السجون السورية، وحتى من قتل منهم مازال موجودا في القائمة التي تمتلكها الدّاخليّة”.

وأشار إلى أن “هذا الرقم إجمالي ومرجح لأن يكون أقل، بما أن منهم من قتل في بؤر التوتر”.

واعتبر المجدوب أن “الحديث عن 5 آلاف و8 آلاف و10 آلاف إرهابي تونسي موجودين في بؤر التوتر أرقام مبالغ فيها وغير موجودة”.

وأضاف أن “عدد العائدين من بؤر التوتر 800 إرهابي، يخضعون للمراقبة

الأمنية، منهم 137 قيد الإقامة الجبرية”.

والأسبوع الماضي، نظم المئات من التونسيين وقفة أمام البرلمان، احتجاجا على عودة إرهابيين من بؤر التوتر، وتداعيات ذلك على الاستقرار الأمني للبلاد.

وقدّرت تقارير دولية، بأن عدد التونسيين في مختلف بؤر التوتر في ليبيا، وسوريا، والعراق، يفوق 5 آلاف و500 مقاتل، محتلين بذلك المرتبة الأولى ضمن مقاتلي تنظيم داعش الإرهابي.

وفي سياق متصل، كشفت الدّاخلية التّونسية، الأربعاء، عن تفكيك خلية “إرهابيّة” بمدينة هرقلة التابعة لولاية سوسة (شرق) تتكوّن من 13 عنصرا تتراوح أعمارهم بين 22 و43 سنة.

وقالت الوزارة في بيان إنه “من خلال التحرّيات مع عناصر الخليّة اعترفوا بعقدهم اجتماعات سرّية بأحد المساجد بالمدينة وقيامهم بتسفير حوالي 12 شابا جميعهم من مدينة هرقلة إلى بؤر التوتر للانضمام إلى الجماعات الإرهابيّة، إضافة إلى علاقتهم الوطيدة بعنصر إرهابي خطير من نفس المدينة تتعقبه الجهات الأمنية وينتمي إلى كتيبة ‘عقبة بن نافع” الإرهابيّة”.

وأكدت النقابة استعدادها التام لإنارة الرأي العام وتقديم قائمة إسمية مفصلة بالبرهان والحجة الدامغة في قيادات أمنية وأعوان مشبوهين، مطالبة بالبحث عن استراتيجيات جديدة لإنقاذ المنهج الأمني من الأفكار القديمة وفتح طريق جديد وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية لتصبح أكثر قدرة على أداء واجباتها بمنظومة أمنية متطورة لمعالجة الخلل الكبير من الداخل.

ولم ينف المجدوب في حديثه مع يومية “المغرب” المحلية وجود علاقات تربط كبار الأمنيين مع سياسيين ورجال أعمال، وقال إن “القيادي الأمني صلب وزارة الداخلية سواء كان مديرا عاما أو وزيرا في نهاية الأمر يحتاج إلى حماية، فهو اليوم مدير عام لأن السلطة عينته ويوم تتغير السلطة يعزل وهذا يحدث منذ 2011 إلى اليوم فكل حكومة لها مدير أمن عام خاص بها ووزير داخليتها، ففي ست سنوات عرفت الوزارة سبعة مدراء عامين للأمن الوطني وهذا يبرز مدى الارتباط بين السلطة السياسية والقيادات الأمنية”.

وأمام هذه الوضعية الصعبة التي باتت عليها المؤسسة الأمنية في تونس، اقترح وزير الداخلية أن يتم توفير ضمانات للقيادات الأمنية في حياتها وفي مسارها المهني، بما يعني حفظ كرامته والإبقاء على نفس الامتيازات المادية التي كان يتمتع بها عندما كان في منصب مدير أمن.

ودعا الوزير إلى ضرورة القيام بإصلاحات هيكلية تشمل قانون الوظيفة العمومية والنظام الأساسي لقوات الأمن الداخلي الذي هو في طور المراجعة، معبرا عن خشيته من أن يلجأ السياسي إلى الانتقام من الأمني في صورة رفض أن يمشي وفق التوجهات التي يمليها عليه.

ولئن نفى المجدوب أن يكون ما ذكره أحد الأسباب التي دفعت بمدير الأمن الوطني السابق عبدالرحمان بلحاج علي إلى الاستقالة، إلا أن مراقبين ومسؤولين سابقين في وزارة الداخلية يقولون إن استقالة الرجل تعكس بوضوح وجود اختراق سياسي صلب المؤسسة الأمنية.

وكان رضا صفر، الوزير الأسبق المكلف بالملف الأمني، قد أكد في تصريحات صحافية أن ما حدث مع بلحاج علي دليل قاطع على أن المؤسسة الأمنية لم تتعاف بعد، وأن استقالته تبرز بوضوح حجم التجاذب السياسي الذي مازال متغلغلا في الجهاز الأمني.

ورغم أهمية وجدية مقترحات وزير الداخلية الداعية لإيجاد الضمانات المادية والأدبية الكافية لكبار القيادات الأمنية حتى يتم تحصينهم جميعا من

الوقوع في تبعية للسياسيين ورجال المال، إلا أن مراقبين يرون أن الاصلاح الفعلي يتطلب حزمة إصلاحات ومقترحات أكثر جدية لردع المخالفين ووضع حد لهذه

الخروقات.

ويرى مختصون في الشأن الأمني أن القيادات العليا في المؤسسة الأمنية يجب أن تكون خاضعة لمجلس النواب، علاوة على تبعيتها للسلطة التنفيذية، لأن هذه المناصب الدقيقة تتطلب متابعة من نواب الشعب، وهو الأمر الذي يتماشى حسب تقديرهم مع مناخ الديمقراطية والدستور الجديد وبناء الدولة الجديدة.

4