وطني أولا.. ولتذهب الطائفية إلى الجحيم

الأربعاء 2015/05/27

علاقتنا نحن السعوديين مع وطننا لا مجال فيها للمزايدة، نحن مع وطننا في السراء والضراء وحين البأس، أكتب مقالي هذا وأنا أشعر بتعاسة بالغة، ما إن رأيت مشهد الجثث المتساقطة دون سبب، في إحدى حسينيات القديح التي تقع شرق المملكة، المشهد بدا مؤثراً جداً، صارخاً بصـداع طائفي عميـق للغـاية، فمـن منـا يرغب أن يشاهد سنيا، أو شيعيا، أو حتى زيديا مضرجا بدمائه دون سبب يذكر؟ من منا يسمـح لنفسه، ولو لبرهة قصيرة، بالدفاع عن صـوت الكراهية المنغرس في عقول بعض الشباب المتطرف؟ لا أحد، لا أظن أن عاقلا واحدا يرغب في أن يتحول وطنه العظيم، إلى كرة يتقاذفها عدد من الصبيان.

أدرك جيدا غضب إخوتي الشيعة مما حدث، فالحزن يلف منازل المنطقة الشرقية، فنحن من وطن واحد، ونتنفس هواء واحداً، ونعيش على أرض نرغب في أن تكون مرتعاً للسلام والأمان. لكن، على إخوتنا الشيعة أيضاً، أن يرجموا ما يقوم به بعض الشباب في العوامية، من قتل وترويع للعاملين في الأجهزة الأمنية، فهذا النوع من القتل لا يختلف عما فعله الصبي المراهق، حينما فجر نفسه في الحسينية، ولا أفهم سبب ذلك، إلا أن الانتحاري ينفذ أجندة غربية تعمل على الخراب العميم، وهذا أبعد ما يمكن أن يحدث في وطني، وكل ما يقوم به الشباب في العوامية، أو في القديح هما سواء، كلاهما غارق في أشداق العنصرية والطائفية والتخلف والاستبدادية والعنف الدموي، وكلاهما يمارسان العبث بأدمغتهم المعطوبة.

أعرف أن الشيعة يضربون الآن بأيدهم على الطاولة بغضـب صارخ، في محاولة لحث الحكومة على ستر دمائهم وعرضهم وأمنهم، ونحن كذلك نريد أن تكون جميع مناطق المملكة، دون استثناء في قبضة من الأمن، سواءً للأفراد العاديين أو لأفراد الأجهـزة الأمنية، التي يسقـط ضحاياها أيضـاً دون مبرر، حيـث يتفنن بعض شباب العـوامية في تسليط أسلحتهم المسربة إلى أجسـاد مواطنيهم، فقـط لأنهم تابعون لأجهزة الأمن الداخلية، ويفترض أن مهام عملهم هي حماية أي شبر من الوطن من استغلال العقول الضالة والفاسدة، وليست موكلة، فقط، في العوامية، ولكن ما يحدث فيها من نشاط أقرب لأن يكون عملا إجراميا صميما، يفترض هو أيضاً أن يجرم بأقصى حد.

الحزن ليس مجرد تركيب كيميائي أو مركب ميتافيزيقي، الحزن هو سلطة لا حكم لنا عليه، يعيد بداخلنا تشكيلا فوريا لمعنى الحياة، والنظرة الأساسية إلى سبيكة الذات، أبناء القديح أو الأحساء أو خميس مشيط لا ذنب لهم بأي جرم يأتي من متطرف، لكن لا يجب أن يبالغ إخوتنا الشيعة في لكم الحكومة، أو التنكيل بمشاعر غيرهم من أخوتهم السنة، مثلما نرفض، نحن السنة، أن يقتل أي جندي بأي حجة، لأن مهام عمله تتطلب منه أن يكون مراقباً لمرافق وطرق العوامية.

يعتقد بعض القاطنين في العوامية، أن منطقتهم النارية تشكل نموذجاً شرساً لأجهزة الأمن، ويتباهى البعض منهم بأن لا أحد يمكنه الدخول إلى عرينهم، بسبب شراسة ومواجهة الشباب، الذين حتى الآن لا أفهم فلسفة غضبهم من الدولة، أو من أجهزة الأمن، ولا أفهم ماذا يريدون تحديداً، وكيف يمكن أن يصل صوتهم إلى الجميع، إذا ما كانوا يتعاطون القتال وصناعة القنابل اليدوية، من أجل إثبات حقوق يعتقدون أنهم يستحقون الحصول عليها قسراً، متناسين أن كل منطقة في المملكة، لا تزال البنية التحتية فيها في حاجة إلى إعادة هيكلة من جديد، ولهم في مناطق الجنوب والشمال النموذج حي، فأهالي هذه المناطق لا يزالون يتعاطـون مع مشاكلهم بطريقة أكثر حضارية، حيث أن مناعتهم لا يمكن أن يهتز لها بنيان أو كيان، وهم لا يزالون يعيشون على آمال عريضة، أن تقوم الحكومة بإكمال مشوار إصـلاح البنية التحتية غير المكتملة، دون اللجوء إلى العنف واستخدام “المولوتوف”.

ما حدث للقديح هو فعل فردي، وليس فعل دولة، والتي بدورها ترفض، تماماً، أن يستباح دم أي مواطن من مواطنيها مهما كان مذهبه، لكن الذي يفترض أن تقوم القديح بمد يد العون مع الحكومة، لا أن تصب جام غضبها على جميع مواطني المملكة، لأننا نرفض تماماً، صغيرنا وكبيرنا، ما يحدث لأي بقعة من هذا الوطن، والذي أطلق عليه “بلد الخير”، وهو بالفعل يستحق هذا اللقب دون أي منازعة.

وليفهم الجميع، أنه مهما حدث ستبقى المملكة العربية السعودية دولة كاملة، لن يهتز طرفها بسبب عدوان يعرف من وراءه! ولن نكون إلا دولة متكاملة جداً، وليخسأ من يقول غير ذلك.

أحبك يا وطني

كاتبة سعودية

9