"وطني 2015": نجاح انتقال الإمارات من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التمكين

تعتبر تجربة انتخابات المجلس الوطني الاتحادي في الإمارات والتطورات التي تشهدها منذ ولادة فكرة البرلمان الإماراتي حتى اليوم، أحد أبرز الخطوات التي تساهم عمليا في إشراك المواطن في مختلف مجريات العملية السياسية والاجتماعية، التي تسير وفق نسق تدريجي يرسّخ خطى سياسة التشارك.
الأحد 2015/10/04
الشيخ عبدالله بن زايد، وزير الخارجية، والوفد الإماراتي المشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أدلوا بأصواتهم بمقر بعثة الإمارات لدى الأمم المتحدة في نيويورك

أبوظبي - أدلى نحو 185 ألف ناخب إماراتي، أمس السبت، بأصواتهم لاختيار 20 عضوا، من بين 329 مرشّحا، بينهم 74 امرأة، يمثّلونهم في المجلس الوطني الاتحادي (البرلمان)؛ ضمن عملية انتخابية شهد ناخبون ومراقبون بنجاحها، وأكّدوا أن نسبة الإقبال فيها فاقت الدورتين السابقتين.

وكانت الانتخابات قد انطلقت في سفارات الإمارات بالخارج يومي 20 و21 سبتمبر الماضي، وقدّر الناخبون بـ1389 ناخبا؛ فيما بدأ التصويت المبكر داخل الإمارات خلال الفترة من 28 إلى 30 سبتمبر الماضي. وقال وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي، رئيس اللجنة الوطنية للانتخابات، أنور قرقاش، إن مرحلة التصويت المبكر “تمت بنجاح وشهدت إقبالا طيبا من الناخبين وتمثل إضافة إيجابية للممارسة الانتخابية في الدولة”.

وأشار إلى أن عدد المصوتين بلغ 37 ألفا و663 ناخبا، معتبرا أن التصويت المبكّر منح الفرصة للعديد من الناخبين للمشاركة في العملية الانتخابية بناء على ظروفهم الحياتية والتزاماتهم.

ويؤكد مراقبون أن الاقبال على التصويت في الانتخابات البرلمانية جاء ليترجم فاعلية منظور القيادة الإماراتية في إشراك المواطن في صناعة القرار وترسيخ سياسة التواصل والتشارك؛ وأيضا جاء الإقبال اللافت ليكون أفضل ردّ على المزاعم والتقارير، الفاقدة للموضوعية، التي تصدرها منظّمات دولية تدّعي أنها حقوقية، بالاعتماد على جهة دون أخرى، وتعمّم بعض النقائص التي لا تنكر القيادة الإماراتية وجودها لكن يجري العمل على تصحيحها بشكل نابع من واقع الإمارات وطبيعة مجتمعها وسياستها ومحيطها الإقليمي، لا عبر إملاءات خارجية.

ويضيف المراقبون أن التفاعل الشعبي مع ثالث انتخابات برلمانية تشهدها البلاد بالغ الأهمية لأنه يعني للغالبية العظمى من الإماراتيين ضمان الاستقرار وقطع الطريق أمام محاولات إحداث شرخ في العلاقة بينهم وبين القيادة، وأيضا تأتي كأفضل ردّ على المقاطعين والمعارضين، حيث يؤكّد مراقبون أن الاقبال على الدورة الثالثة للانتخابات البرلمانية، فاق الدورتين السابقتين، وهو ما يعني أن الخطوات التي قطعت في مسيرة إصلاح النقائص والبناء الموضوعي أتت أكلها، على وعد من القيادة الإماراتية وأعضاء المجلس الانتخابي بمواصلة السير في هذا النهج.

التفاعل الشعبي مع ثالث انتخابات برلمانية تشهدها البلاد يعني للغالبية العظمى من الإماراتيين ضمان الاستقرار وقطع الطريق أمام محاولات إحداث شرخ في العلاقة بينهم وبين القيادة

وجرت عملية الانتخابات وفق نظام التصويت الإلكتروني باستخدام بطاقة الهوية المعتمدة التي تخوّل حاملها من ممارسة حقه بالانتخاب. كما تم اعتماد نظام جديد في عملية التصويت بانتخابات المجلس الوطني الاتحادي يعرف بنظام “الصوت الواحد”، ولا يُسمَح بمقتضاه للناخب إلا باختيار مرشح وحيد مهما كان عدد المرشحين المطلوب انتخابهم في الإمارة التي ينتمي إليها.

وقال مراقبون إن التعليمات التنفيذية الجديدة بما تحمله من تعديلات في الإطار القانوني لتنفيذ العملية الانتخابية في كافة مراحلها ستضمن تحقيق أعلى درجات الشفافية والمهنية لانتخابات المجلس الوطني الاتحادي.

وشهدت بيسر العملية الناخبة الدكتورة فاطمة حمد الغفلي، التي أشادت بما توفر من تعاون من قبل اللجنة المشرفة ومستوى التنظيم العالي وسلاسة الإجراءات .وأكدت الغفلي أن ما ساعدها على اتخاذ القرار المناسب هو اطلاعها على البرنامج الانتخابي لجميع المرشحين مما جعلها تختار الشخص الذي تطمح أن يحقق وعود دعم المرأة العاملة التي تضمنها برنامجه الانتخابي .

من جانبه أشاد سالم محمد الراشدي، (78 عاما) بمستوى التنظيم والسهولة التي رافقت عملية التصويت خصوصا لمن هو في سنه. وأعرب عن سعادته، بمشاركته في هذا الاستحقاق الثالث، وهو الذي عاصر كثيرا من التغييرات والتطورات التي شهدتها الإمارات؛ على غرار مواطنه محمد مسلم علي الراشدي، الذي بلغ من العمر 82 عاما، والذي جاء إلى مركز الاقتراع رفقة ولده عبدالله، (35 عاما)، للمشاركة في الحدث البرلماني المهم مؤكدين أن اختيار ممثليهم في المجلس الوطني الاتحادي أمانة في عنق الجميع .

إقبال إماراتي لافت في انتخاب ممثلي الشعب في المجلس الاتحادي

ولم تختلف، شهادة مها سالم علي، موظفة في بلدية أبوظبي، عن الشهادات السابقة، بخصوص عملية التصويت التي أكّدت أنها كانت خالية من التعقيدات مؤكدة أنها قامت باختيار ممثلها في المجلس الوطني الاتحادي بكل قناعة.

وشكلت نسبة مشاركة المرأة في قائمة المرشحين النهائية 22 بالمئة بواقع 76 مرشحة في جميع إمارات الدولة، وسجلت الفئة العمرية من40 – 60 الحضور الأبرز في عدد المرشحين بنسبة 60 بالمئة وبواقع 205 مرشحا ومرشحة، تلتها الفئة العمرية أقل من 40 عاما بنسبة 38 بالمئة وبواقع 129 مرشحا ومرشحة. ويبدو أن فئة المرشّحين انعكست على فئة الناخبين، حيث يشير المراقبون إلى أن نسبة النساء وكبار السن كانت أكبر من نسبة الشباب.

وعلى المستوى الأكاديمي بلغت نسبة المرشحين الحاصلين على مستويات تعليمية عالية نسبة 49 بالمئة بواقع 166 مرشحا ومرشحة على مستوى الدولة، فيما بلغت نسبة المرشحين من المستوى العلمي المتوسط 31 بالمئة بواقع 106 مرشحا ومرشحة، وما دون الثانوية العامة بنسبة 14 بالمئة بواقع 48 مرشحا ومرشحة.

وكانت انتخابات المجلس الوطني الاتحادي، الذي تأسس سنة 1972، قد أقيمت للمرة الأولى في ديسمبر 2006 بموجب القرار رقم “3” لسنة 2006 الذي أصدره رئيس الإمارات العربية المتحدة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، بناء على قرار المجلس الأعلى للاتحاد رقم “4” لسنة 2006 بشأن تحديد طريقة اختيار ممثلي الإمارات في المجلس الوطني الاتحادي والذي نص على أن يتم انتخاب نصف الأعضاء وتعيين النصف الآخر من ممثلي كل إمارة عن طريق الحاكم.

وبذلك شهد عام 2006 أول تجربة لانتخابات المجلس الوطني والتي عرفت مشاركة شعبية واسعة على مستوى الهيئات الانتخابية، وترشح ما يقارب الـ456 مرشحا لعضوية المجلس الوطني الاتحادي من كافة إمارات الدولة. ومنذ التجربة الانتخابية الأولى اعتمدت اللجنة الوطنية التصويت الإلكتروني بدل الاقتراع التقليدي، الذي أكّد الناخبون نجاعته وأهميته في تسيير العملية وضمان نجاحها.

الإعداد الجيد للتصويت خارج الدولة وداخلها والتنسيق عالي المستوى أديا إلى سير العملية الانتخابية في المراكز الانتخابية بكل يسر وسهولة

وساهمت التجربة الانتخابية الأولى في ارتفاع مستوى الوعي السياسي لدى المواطنين، ولفتت اهتمامهم أكثر إلى الشأن العام والمشاركة في الحياة السياسية. وكانت هذه المحطة منطلقا فعليا للتجربة الثانية من انتخابات المجلس الوطني الاتحادي التي أجريت سنة 2011، والتي اكتسبت أهمية خاصة تفوق سابقتها من ناحية توسيع نطاق المشاركة السياسية للمواطنين.

وتم تعديل قرار المجلس الأعلى للاتحاد رقم “4” لسنة 2006، وتعديل قرار رئيس الدولة رقم “3” لسنة 2006 بحيث أصبح الحد الأدنى لعدد أعضاء الهيئات الانتخابية لا يقل عن ثلاثمئة مضاعف لعدد ممثلي كل إمارة في المجلس الوطني الاتحادي دون وجود سقف أعلى لعدد أعضاء هذه الهيئات في كل إمارة.

وبلغ عدد أعضاء الهيئات الانتخابية 135.308 أعضاء، ما أتاح الفرصة لشريحة كبيرة من المواطنين لاختيار ممثليهم في المجلس الوطني الاتحادي في ظل ظروف تمّت تهيئتها بشكل يتناسب مع قيمة الحدث، إلى جانب توفير كافة الضمانات التي تكفل إجراء الانتخابات في أحسن الظروف.

ويتشكل المجلس الوطني الاتحادي في الإمارات من 40 عضوا، وتتوزع المقاعد حسب الدستور بأعداد متفاوتة بين الإمارات السبع، حيث تحوز إمارتا أبوظبي ودبي ثمانية مقاعد لكل منهما، وتذهب لكل من إمارتي الشارقة ورأس الخيمة ستة مقاعد، فيما تحوز كل من إمارات الفجيرة وأم القيوين وعجمان على أربعة لكل منها.

ويشكل هذا المجلس السلطة الاتحادية الرابعة في البلاد من حيث الترتيب في سلم السلطات الاتحادية الخمس المنصوص عليها في دستور دولة الإمارات، وهي: المجلس الأعلى للاتحاد، رئيس الاتحاد ونائبه، مجلس وزراء الاتحاد، المجلس الوطني الاتحادي، القضاء الاتحادي.

التصويت الالكتروني يحقق أعلى درجات الشفافية والمهنية ويسر العملية الانتخابية

ومن مهام المجلس مناقشة مشروعات التعديلات الدستورية ومشروعات القوانين الاتحادية والميزانية العامة للدولة، وإبداء الرأي في المعاهدات والاتفاقيات الدولية. وأصبحت مدة عضوية المجلـس أربع سنوات بدلا من سنتين بموجب التعديلات الدستورية الأخيرة.

وقد أفرز تأسيس الدولة على قواعد دستورية ومؤسسية متينة مجتمعا ينعم بالاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهو يؤكّده محمد أحمد المر، رئيس المجلس الوطني الاتحادي، مشيرا إلى أن المواطن الإماراتي في مقدمة أولويات ومحور اهتمام القيادة الأمر الذي جعل الإمارات أنموذجا في علاقة التفاعل الخلاق بين القيادة والشعب وتجربة تنموية رائدة أساسها تمكين المواطنين من المشاركة الفاعلة في جميع قطاعات العمل وفي عملية صنع القرار.

وأضاف أنه ورغم تفاوت التجارب البرلمانية لدى الدول إلا أن المجلس الوطني الاتحادي، في دولة الإمارات العربية المتحدة، لديه تجربة رائدة في مجال الدبلوماسية البرلمانية وهو يتطلع دائما إلى هذا الاختصاص الذي يواكب توجهات الدولة وسياستها الخارجية ويحمل وجهة نظرها حيال مختلف القضايا ويدافع عنها خلال مشاركاته في العديد من الفعاليات البرلمانية الخليجية والعربية والإسلامية والدولية فضلا عن الاجتماعات المتخصصة والمؤتمرات والزيارات البرلمانية سواء الخارجية أو زيارات الوفود الرسمية للمجلس.

وقال إن التطور السياسي والمؤسسي في الدولة يعدّ أحد الجوانب المهمة في مسيرة الدولة وأهمّ ما يميز تجربة الإمارات أنها تتبنى نهجا متوازنا ومتدرجا في أيّ إصلاحات سياسية آخذة في الاعتبار الخصوصية الحضارية والدينية والثقافية للمجتمع الإماراتي الأمر الذي يؤدي دائما إلى استقرار الدولة على مختلف الصعد.

بدورها، أشارت نشرة أخبار الساعة الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في افتتاحيتها “مرحلة مهمة في مسيرة المجلس الوطني الاتحادي” إلى أنه منذ أعلن الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان في عام 2005 انتقال دولة الإمارات العربية المتحدة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التمكين، التي تتمحور حول تعزيز مشاركة المواطنين في العمل الوطني، يمضي برنامج التمكين السياسي في مساره بخطوات ثابتة ضمن سياسات وبرامج واضحة وفي إطار الهدف الأعلى وهو تعزيز وتعميق مشاركة المواطنين في الشأن العام.

وتتبّع مسار تجربة انتخابات المجلس الوطني الاتحادي منذ دورتها الأولى عام 2006، وصولا إلى انتخابات المجلس الوطني الاتحادي عام 2015، يؤكد هذه الفلسفة.

4