وطن جمالي

الاثنين 2014/11/24

في تسعينات القرن الماضي كانت صالة “بلدنا” في العاصمة الأردنية “عمّان”، واحدة من أهم العناوين التي كان الرسامون العراقيون يتداولونها بسعادة، لقد عرض في تلك الصالة الكبار والصغار من مختلف الأجيال الفنية.

كانت سعاد عيساوي، وهي صاحبة الصالة تغمرهم بحنان الأخت وتأني الراعي وصبر المتسامح، كانت الصالة بالنسبة إليها فرصة للتعلم، وهي المولعة مثل زوجها الرسام والمصور والكاتب هاني الحوراني بالفنون، لقد فتحت المرأة أبواب صالتها للرسامين العراقيين بعد أن كان الكثير من الأبواب قد أغلق في وجوههم.

الهاربون من جحيم الحصار المفروض على بلادهم وجدوا في “بلدنا” مأوى جماليا فريدا من نوعه لهم. كان البعض منهم، ممن أخلص إلى ما قدّمته السيدة الفلسطينية التي قضت جزءا من حياتها في دمشق، يشير إلى “بلدنا” بصيغة مجازية، باعتبارها الوطن الجمالي الذي اهتدوا إليه، فغطى لجوءهم برائحة الياسمين.

عيساوي نفسها كانت سعيدة بذلك الإنجاز الذي هو إنجاز العمر بالنسبة إليها، وكانت ترى في ما تفعله أمرا يتجاوز العرض المؤقت لفنانين عابرين، ولم يكن من قاطعوها، وهم قلة، ينكرون قيمة ما تفعله، فبالنسبة إلى الرسامين العراقيين كانت “بلدنا” هي باب الأردن الذي انفتح أمامهم، فمن خلاله تسللوا إلى الفضاء الأردني، فصارت القاعات الفنية ترحب بهم وبأعمالهم.

ربما لم يكن الجميع أوفياء لما قدّمته تلك السيدة من خدمات جليلة في مجال عرض أعمالهم والترويج لأسمائهم، وهو أمر لم يقف بين عيساوي وبين الاستمرار في رسالتها، كان لديها ما تفعله وما تقدّمه باستمرار، وهنا بالضبط يكمن سرّ نجاحها، صاحبة مشروع يفتح الطريق أمام الفنانين للدخول إلى سوق الفن.

اليوم صارت “بلدنا” أثرا من الماضي بعد أن أقامت عيساوي قاعة جديدة تحمل اسم “رؤى”، هي أكثر سعة من القاعة القديمة، فإن شيئا من ذكرى “بلدنا” يظل يرافق خطوات السيدة التي منحت الرسامين العراقيين في ذلك الوقت العصيب، ما لم تقوَ المؤسسات الكبرى على تقديمه.

16