وطن ضائع ومواطنون هائمون

الجمعة 2016/09/30

منذ زمن ليس بالقريب تخلص الأوروبيون من عقدتيْ الوطن والمواطنة معا. فلا خوف على الوطن ولا أحد أو شيء بإمكانه أن ينتقص من المواطنة أو يهمشها أو يضيّق عليها الخناق أو يفقدها شيئا من صفاتها.

الأوروبي مواطن كامل الحقوق في بلده وخارجه، لا لشيء إلا لأن تلك المواطنة كانت مرآة لاكتمال شروط وضعه البشري. وهو ما يجعل مواطنته عنصرا مكملا لمستواه الإنساني. المعادلة التي يفترض أن تسبب لنا نحن مواطني الأوطان الغائبة حرجا كبيرا.

فبالرغم من أننا في حقيقة أحوالنا نفتقد إلى الوطن بمعناه القانوني، لا يزال معظمنا يتشدق بمواطنته، باعتبارها قدرا مطلقا أو ثيابا جاهزة.

لا أحد يتساءل مثلا، كيف يمكن أن يكون هناك مواطنون، من غير أن يكون هناك وطن؟ أما أن يكون الوطن مجرد أرض فتلك كما أرى فكرة بدائية، صارت اليوم ساذجة بل وغبيّة بعد نشوء الدولة بمفهومها السياسي الحديث. وهو مفهوم ابتلع ما كان شائعا من المفاهيم قبله. لكي يكون هناك مواطن ينبغي أن يكون هناك أولا وطن.

مكان الولادة. مكان الذكريات الأولى. مكان العيش الاضطراري. المكان الذي يقيم فيه الأهل والأصدقاء لن يكون وطنا بالضرورة، إلا إذا حدث الأمر بطريقة قسرية أو أملته ظروف عجز الكائن عن تغييرها.

الفلسطينيون في الشتات ليس لهم وطن. هل الفلسطينيون في غزة مواطنون في فلسطين؟ أين هي فلسطين، الوطن المقصود؟ هناك أجيال من الفلسطينيين ولدت وتعلّمت وعملت في الأردن، غير أن ازدواج الهوية لا يزال يضعها في مواجهة خلل في المصير.

تسمع جملة “أنا فلسطيني”. قائلها هو في حقيقته، وليس في واقعه فحسب، مواطن أردني. ما من شيء اسمه مواطن فلسطيني.الهوية الفلسطينية لا تشير دائما إلى مواطنة فلسطينية.

وإذا ما كان الظرف الفلسطيني المعقد، بما انطوى عليه من الكثير من الظلم التاريخي، هو المسؤول عن إنتاج تلك الثنائية، فإن ما انتهى إليه الفرد في بقاع عديدة من العالم العربي لا يقل سوءا في ما رشح عنه من ظلم، يكاد يكون تاريخيا هو الآخر.

قد يضحك الأغراب المطّلعون على حقيقة حال العالم العربي حين يسمعون أحدهم يقول “أنا مواطن عراقي”، فلا وجود حقيقيا لوطن اسمه العراق بالمعنى القانوني الذي يفسر مصطلح “الوطن” ويهبه صلابة كونكريتية لا تُثلم.

هناك أكثر من مليوني نازح من العراقيين داخل العراق. أما خارجه فقد توقف العداد عن العمل منذ زمن طويل. مَن يعتبر المليونين من البشر مواطنين عراقيين، فهو إما أبله وإما غبي.

طبعا لا مجال للمقارنة بين مَن فقد بيته، ومَن لا يزال يحتمي بسقف ذلك البيت، غير أن الواقع يقول إن الفئات السياسية الحاكمة في العراق نفسها لا تشعر براحة المواطنة النسبية أو المطلقة. صحيح أن أفرادها محميون من التشرد الذي ضرب الآخرين، غير أن حقائبهم المحزومة وجوازاتهم الأجنبية التي يحملونها معهم برفقة عوائلهم التي تقيم في الأوطان البديلة، هي تذاكر لسفر من غير عودة.

حتى بالنسبة إلى حكامه فإن العراق ليس وطنا. علينا ألا نكذب على أنفسنا أو نصدق الكلام المرسل الذي يقوله البعض. وليست مصادفة أن يخلو كلام السياسيين العراقيين من مفردة الوطن. لقد تركوا تلك المفردة للهائمين الرومانسيين ممن لا يملكون حلولا بديلة.

في العراق اليوم الطائفة هي الوطن. القبيلة هي الوطن. العائلة هي الوطن. هذا بالنسبة إلى الجموع التي تركت من غير غطاء قانوني. أما بالنسبة إلى الغزاة الفاسدين، فإن المال هو الوطن.

اُستقبل نوري المالكي، وهو غطاء مافيا الفساد في العراق، في زيارته لبيروت استقبال الزعماء الشعبيين لا لشيء إلا لأنه سمح بتمويل عجز ميزانية حزب الله بالأموال التي تم نهبها من خزانة العراقيين.لم تكن مواطنته العراقية قد سبقته أو لحقت به.

فحزب الله لا يعترف بلبنان وطنا ولا يتعامل مع المواطنين باعتبارهم مواطنين.

نحن هنا نتحدث عن مليوني إنسان لبناني وقعوا بين كماشتيْ حزب الله الذي احتكر تمثيلهم في وجه النظام الطائفي اللبناني. لقد انتهى بهم قدرهم إلى أن يفقدوا مواطنتهم اللبنانية، بعد أن أفقد حزبهم لبنان معنى أن يكون وطنا.

في المحصلة يمكن القول إننا في جزء كبير من العالم العربي نعيش مرحلة ما قبل تشكل مفهوم الوطن وتبلور مفهوم المواطنة.

كاتب عراقي

9