وطن عربي دون حرف الباء

الاثنين 2017/09/25

فتاوى لرجال المريخ إذا، تلك التي يروجها بعض شيوخ فقدوا صلاحياتهم، في فضائيات لقيطة، تبحث عن سد مساحات الهواء وملء فراغاتها، وتعويض شح الأخبار الرصينة، بكل ما هو مثير للجدل.

فتاوى تصلح لرجال أي كوكب آخر غير الأرض، ربما تناسب كائنات فضائية لا تحمل من المشاعر الإنسانية والدفء ما يحرك بني البشر.

لا أدري كيف بات يفكر رجال الدين في وطننا العربي، وهل يريدون تجريد الوطن العربي من حرف الباء ليصبح “وطن العري”، هل باتت الغريزة تحرك الرجل إلى هذا الحد المخزي، فلا يشعر بما تشعر به الحيوانات ذاتها، لا يحركه أن من كانت تعيش معه زوجة، شريكة، تتأنق وتتجمل له، تشاركه أفراحه وأتراحه، مازالت رائحة أنفاسها تعبق المكان، طريحة ذات المخدع الذي كانت بالأمس تستلقي عليه ثم تقوم تملأ البيت خيرا ومرحا، اليوم تستلقي ساكنة تماما، وقد أسلمت الروح لبارئها، كيف يفكر في مضاجعتها وهي هكذا، كيف يهين كرامته وإنسانيته ورجولته بمعاشرة “ميتة” معاشرة زوجية كاملة، أي درجة من اللذة والنشوة يرجوها في مشهد مهيب، في حضرة الموت.

يحتضن جثة هامدة بلا حراك، يجردها من ملابسها بعد أن فقدت القدرة على القبول أو الرفض، فقدت الرغبة في النفور من همجي يشبع حاجة جسدية لا تهدأ بوازع من عقل أو ضمير.

أثارت فتوى معاشرة الرجل لزوجته المتوفاة، الشارعين المصري والعربي، كونها تتنافى مع الإنسانية والذوق العام، والمنطق في هذا الموقف الجلل، وأغرب ما فيها كونها وردت على لسان أحد أساتذة علم الفقه بجامعة الأزهر الدكتور صبري عبدالرؤوف، أستاذ الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية جامعة الأزهر، فهذا الأزهري الذي يعدّ مرجعا للفتوى، وتعتبر المؤسسة التي ينتمي إليها الملاذ الآمن لكل من أراد استجلاء رأي الدين في أمر ما، يدس الشيخ السم في السم، خاليا من أي عسل، فهو يزيد الطين بلة بعد رأي الدكتورة سعاد صالح أستاذة الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية بنات، جامعة الأزهر، بجواز معاشرة الرجل للبهائم، واستخدام الأدوات الجنسية البلاستيكية للإثارة، أي اشمئزاز تثيره تلك الفتاوى غير المسؤولة.

رغم السجال الدائر في كل بيت بمصر والدول العربية وعلامات التعجب والاستفهام الكثيرة التي رسمتها تلك الفتاوى، إلا أن أحدا لم يتطرق لحرمة تلك المرأة المنتهكة، كيف ينظر لها ذلك الزوج الشهواني، المريض، كيف يسقط أوراق التوت عنها وعن نفسه مستمتعا بلحظات باهتة كان أولى به قضاءها في استعادة ذكرياتهما معا، وفي استرجاع عمر فائت بارتعاشة محب، أو زوج فقد لتوّه شريكة العمر، صوت ضحكات كانت تتمدد بطول العمر وعرضه انزوت فجأة تحت وطأة الموت، رحيل امتص صوت الضحكة في صمت، رجل يستجمع ذاته ولا يقوى على لملمة نفسه للبقاء أمام حبيبة منحته البهجة والحياة يوما ما، منحته الحب ورحلت.

لم أستسغ تلك الفتوى مطلقا، تقيأت كلمات عبدالرؤوف أكثر من مرة، وتقيأ عقلي كلمات سعاد صالح، ووجها المقتضب يطاردني وهي مغرقة في وصف بهائمي في شرح جواز معاشرة البهائم!!

فإن كان هذا الرجل محبا لزوجته للدرجة التي لا يستطيع معها الاستغناء عنها ومضاجعتها لآخر مرة، كيف يتلذذ بعلاقة ميتة مع طرف ميت، فهو كاذب، كاذب.

وإن كانت تلك المرأة أذاقته مرارة الحياة للحد الذي ينتهك فيه جسدها وكرامتها ويمعن في إذلال روحها المسافرة للأبد، فلا أستسيغ مطلقا ما يفعله، حبا أو كرها، لا يقبل عقلي هذا الفعل.

رفقا بنا مشايخ “وطن العري”، بلا باء، أزهقتم روح الدين الإسلامي السمحة، ومسختم الكلام، شاهت وجوهكم، ألا من عاقل رصين، يعيد الباء لمكانها الصحيح.

كاتبة مصرية

21