وطن للبيع: كيف تحولت الجنسية إلى تجارة تدر المليارات

لا حاجة لامتلاك ثروة هائلة لشراء جنسية بلد آخر، فالأمر أقل تكلفة بحيث يمكن أن يتحمل ثمنه عدد غير قليل من رجال الأعمال، ولكن تتفاوت التكلفة حسب قيمة ووزن وأهمية البلد الذي يعرض جنسيته للبيع.
الأحد 2018/10/07
سوق دولية رائجة لبيع الجنسيات والإقامات

ينسب إلى الإمام علي بن أبي طالب قوله “الفقر في الأوطان غربة والغنى في الغربة وطن”. ما قد فهمه البعض من هذه المقولة أن امتلاك المال يمكن أن يجمع حولك الناس، على اختلاف أطماعهم وحاجاتهم ومآربهم، بحيث تشعر وكأنك في وطنك حتى لو كنت في بلد آخر. لكن ما يحدث الآن في كثير من دول العالم، ومنها دول غنية متقدمة، أن المال يشتري لك وطنا بالمعنى القانوني للكلمة، أي وطن تحمل جنسيته وهويته، ويحق لك العيش على أرضه، والتصويت لاختيار من يمثلك في مجالسه ومؤسساته.

حالة رئيس وزراء تايلاند السابق، ثاكسين شيناوترا، أوضح مثال على من يشتري وطنا لم يعرفه من قبل. فالرجل الذي كان رئيسا لوزراء تايلاند قبل أن يطاح به في انقلاب عام 2006 ويمتلك ثروة طائلة، قام بشراء جزيرة في جمهورية الجبل الأسود (مونتنيغرو) ليحصل على جنسيتها بعد أن فقد جنسيته التايلاندية، أي أنه اشترى بالفعل وطنا لم يعش فيه من قبل، وبعدها اشترى أوطانا أخرى حتى يقال إنه يحمل حاليا جنسيات ست دول.

غير أنه لا حاجة لامتلاك ثروة هائلة، مثل تلك التي يمتلكها شيناوترا، لشراء جنسية بلد آخر. الأمر أقل تكلفة بحيث يمكن أن يتحمل ثمنه عدد غير قليل من رجال الأعمال، ولكن تتفاوت التكلفة حسب قيمة ووزن وأهمية البلد الذي تسعى للحصول على جنسيته. ولهذا يتمكن الآلاف كل عام من الحصول على الجنسية أو الإقامة في مجموعة من الدول في إطار برامج “الجنسية والإقامة عبر الاستثمار”.

وحسب الأرقام التي تنشرها مؤسسة هينلي آند بارتنرز، المتخصصة في تقديم الاستشارات للحكومات ورجال الأعمال، فإن هذه المؤسسة، التي تتخذ من لندن مقرا لها، ساعدت، في دخول استثمارات تقدر بمبلغ سبعة مليارات دولار إلى الدول التي تدير برامج الإقامة والجنسية للمستثمرين. وهناك مؤسسة أخرى تعمل في ذات المجال، وهي مجلس المهاجرين المستثمرين، وتتخذ من جنيف مقرا لها.

تقول هذه المؤسسة إن نحو خمسة آلاف فرد يتمكنون سنويا من الحصول على جنسية دول أخرى عن طريق الاستثمار، وإن إجمالي استثماراتهم في العام الواحد تقدر بنحو ثلاثة مليارات دولار. بل إن الولايات المتحدة وحدها تصدر سنويا عشرة آلاف تأشيرة إقامة للمستثمرين.

ومن ثم، أصبح الحصول على الجنسية والإقامة في مجموعة من الدول تجارة رائجة يعمل بها عدد كبير من المحامين والاستشاريين والمحللين، ويستفيد منها الآلاف من المستثمرين، علاوة على الدول المستقبلة لهم. ونظرا لأن أسواق السلع والخدمات تخضع لعوامل العرض والطلب، فإنه يمكن فهم طبيعة هذه الخدمة.

زيادة الطلب

سوق دولية رائجة لبيع الجنسيات والإقامات تعرض خدمات واسعة ومتنوعة
 خدمات واسعة ومتنوعة لبيع الجنسيات

في جانب الطلب هناك أساسا فئتان من المستثمرين تسعى كل منهما للحصول على جنسيات دول أخرى لأسباب مختلفة. الفئة الأولى تضم رجال الأعمال الذين يعيشون في دول تعاني من صراعات وحروب، مثل سوريا وليبيا واليمن في المنطقة العربية وعدد من الدول الأفريقية، أو الدول التي تشهد حالة من عدم الاستقرار ومخاوف مما قد يحدث بها مستقبلا، مثل مصر والعراق والجزائر وعدد من الدول في أميركا اللاتينية.

أما الفئة الثانية فتضم رجال الأعمال الذين يعيشون في دول تكثر بها الأنشطة غير المشروعة، مثل التجارة بالمخدرت والسلاح، وهذا هو حال مجموعات من التجار في روسيا والصين والمكسيك والبرازيل. وهؤلاء يبحثون عن طريقة لغسيل أموالهم، وتحويلها لمسارات قانونية مقبولة في الأسواق الدولية، أو يسعون للتهرب من الضرائب، ويجدون ملاذا آمنا في دول أخرى.

عرض واسع من نحو مئة دولة

المحصلة أن هناك طلبا واسعا من جانب عدد كبير من أصحاب رؤوس الأموال من دول مختلفة لأسباب مختلفة على خدمات الجنسية والإقامة. هذا من جانب الطلب، أما من جانب العرض فيبدو الأمر أكثر وضوحا. إذ تسعى الدول التي تقدم برامج الحصول على الجنسية والإقامة إلى جذب أكبر قدر من الاستثمارات الخارجية إليها، بهدف زيادة التشغيل والنمو الاقتصادي.

وفي الوقت الحالي هناك نحو مئة دولة تقدم برامج تتيح الإقامة على أراضيها للمستثمرين. ويمكن هنا التمييز بين نوعين من هذه الدول. النوع الأول هو الدول الصغيرة التي لا تمتلك ما يكفي للنهوض باقتصادها، وهي في أشد الحاجة للاستثمارات الخارجية. وتجربة مالطا من التجارب الناجحة في هذا السياق، إذ يمكن الحصول على جنسية مالطا، وهي عضو بالاتحاد الأوروبي، بدفع مساهمة مباشرة، لا يمكن استردادها، للحكومة المالطية بمبلغ يترواح ما بين 650 إلى 750 ألف يورو.

ساهم نجاح مالطا في جذب المستثمرين في تحقيق نمو اقتصادي ملحوظ في السنوات الأخيرة. وهناك تجربة مشابهة في قبرص التي نجحت بدورها في جذب الكثير من رجال الاعمال الروس، وتمكنت قبرص أيضا من تحقيق رواج اقتصادي عبر هذه الاستثمارات. وفي أميركا اللاتينية قدمت الدومينيكان نموذجا متميزا، إذ تمكنت من تجاوز أزمة الإعصار الذي تعرضت له عام 2015 عن طريق جذب مبالغ كبيرة من الاستثمارات الخارجية.

أما النوع الآخر من الدول، فهي الدول الكبيرة التي تسعى بشكل مستمر لتركيز الثروات على أراضيها، وتستهدف بشكل خاص دولا أو مناطق بعينها. مثلا، بدأت كندا في عام 1986 برنامج للحصول على الإقامة عبر الاستثمار، وذلك بهدف جذب رجال الأعمال من هونغ كونغ حيث كانت هناك مخاوف واسعة من انتقال تبعيتها للصين في ذلك الوقت.

ونجحت كندا  في جذب عدد غير قليل منهم للإقامة والعيش بها، خاصة في مدينة هانوفر غرب كندا. غير أن حكومة كندا أوقفت هذا البرنامج عام 2014 بعد أن حقق أهدافه، باستثناء مقاطعة “كيبك” الناطقة بالفرنسية.

وتدير الولايات المتحدة منذ عام 1990 برنامجا يتيح الحصول على الإقامة لمن يستثمر مليون دولار في أسهم وعقارات أميركية، أو على الأقل نصف مليون دولار في قطاعات محددة تعاني من ارتفاع نسبة البطالة. وهناك إقبال كبير على هذا البرنامج من دول مثل الصين.

وأيضا تمكن الإشارة إلى تجربة تركيا التي عانت مؤخرا من ضغوط اقتصادية أدت إلى انخفاض ملحوظ في قيمة عملتها. وبعدها قررت تركيا تسهيل إجرءات الحصول على الجنسية والإقامة بها. ويكفي إيداع مبلغ نصف مليون دولار في البنوك التركية لمدة ثلاث سنوات، أو شراء عقار بقيمة تزيد عن 250 ألف دولار مع الاحتفاظ به لمدة ثلاث سنوات للحصول على الجنسية التركية.

وعلاوة على ما سبق تقدم بعض الدول استثناءات خاصة للمستثمرين، وعلى سبيل المثال تسمح النمسا لمن يحصلون على الجنسية في إطار برامج الاستثمار بالاحتفاظ بجنسيتهم الأخرى، وهذا استثناء من الوضع العام في النمسا التي لا تسمح بازدواج الجنسية.

وكل هذا يعني أن الخدمات المعروضة في سوق الجنسيات والإقامات واسعة ومتنوعة، وأن الطلب عليها بدوره كبير ومستمر نظرا لاستمرار الأزمات التي تشهدها مناطق كثيرة في العالم.

6