وطن يسمى العراق لكنه ديوان شعر

الغربة ليست المعنى الحرفي للابتعاد عن الوطن، فالبلد الذي لا يعطيك الحضن الآمن ليس بوطن، والبلد الذي لا يعطيك تلك الحميمية التي نبحث عنها ليس بوطن، والبلد الذي يرهقك ويثقل كاهلك بكل أنواع الفقد ليس بوطن. اليوم العراق صار رمزا للهروب نتيجة أعمال التقتيل والتهجير التي نراها، والتي جعلت أهله يختارون الهجرة، إما اختيارا أو قسرا. والحال هو نفسه عند النخبة العراقية حيث اختار بعضها أوروبا مستقرا له، ومنطلقا للكتابة وللتعبير عن الحرقة والاشتياق والحنين إلى أيام خلت، وإلى أهل وأحباب قد تأتي أيام تستعاد فيها البسمة لديهم، ويعمّ الأمن والاستقرار في أرضهم التي مزقتها حروب أتت على الأخضر واليابس.
الثلاثاء 2016/01/05
بين وجع التذكر ومسافات النسيان جلد القصيد

في إصدارها الجديد “خطأ مطبعي” لم تحد الشاعرة العراقية، المقيمة في النرويج، منال الشيخ عن تجربتها السابقة وكأن النص الشعري لدى منال الشيخ استرسالي شكلا ومعنى وأن نضجه من نضج الشاعرة ويعانق انشغالاتها الإنسانية والفكرية ويتصيد أوجاعها لينبت النص محاذيا لذاتها.

“خطأ مطبعي”، هو الديوان الثالث في رصيد الشاعرة الشيخ، صدر عن دار أثر في السعودية، قسمته الشاعرة إلى ملفين: ملف الحب وملف الحنين، متخذة من الحب والحرب والغربة والموت مواضيعها الرئيسية.

تفتتح الشاعرة ديوانها بإهداء تقول فيه “إلى حب كان عظيما”، ثم تسترسل في الحديث عن الحب، لكن المفارقة العجيبة تتمثل في أن أول أبيات الديوان هو حديث عن الاغتراب والموت “عندما أموت لا يهم أين سأدفن/ ففي العراق لا تنمو الزهور”.

اعتمدت الشاعرة على ما يعرف بالومضة أو الحدث الشعري حيث تلقي بذرتها الشعرية وتترك مخيلة القارئ تتحرك لإتمام النص، هذا الشكل الشعري الذي اعتمدتـه الشـاعرة أضاف إلى النص إيقاعه الساحر، الذي استمـدّه مـن حبكـة الصـور المسكـونـة بالحـزن الإنساني الخفي والألم العاطفي.

تدور جل القصائد على محور الوطن العراق، وهو موضوع تحدثت عنه الشاعرة، في كثير من المناسبات، تقول: مصطلح الوطن فهمناه كمصطلح تقليدي، تعلمناه من المناهج الجاهزة والأناشيد القومية، وأفضل أن أسميه “بلدي العراق” بدلا من الوطن، لأن الوطن يحمل بعدا أكبر من مجرّد بقعة أرض ولدتُ فيها وعشتُ فيها.

النص الشعري لدى الشيخ استرسالي شكلا ومعنى، ونضجه من نضج الشاعرة، ويعانق انشغالاتها الإنسانية
والعزلة تعوّدنا عليها مذ ولدنا أغرابا بين ذوينا أنفسهم، فكيف في بلاد غريبة عنك تماما مثل النرويج؟ أفتقد أهلي بالطبع، وهم جزء من معنى الوطن عندي وليسوا جزءا من البلد، ولكني الآن أنعم بذكرياتي الجميلة دون المأساوية منها، ولي فرصة أكبر في أن أرى بلدي أجمل من بعيد. وربما هذا الاعتراف سيثير بعض المتشدقين بالشعارات الرنانة التي أكلت الأخضر واليابس في بلدي، ولكن هذه هي الحقيقة.

الحب في مقابلة الموت

الحب عند منال الشيخ يقابل الموت، وكأنهما وجهان يتقابلان على طاولة الشعر بذات الخلق، هكذا تطالعنا العاطفة من بين جماد الكلمات، لتنفخ الرماد عن جمرة المعنى، الحب الذي هو حبيب، والذي هو وطن.

للغياب صفة الحضور عند منال الشيخ وكأن اليوم هو الأمس، بوصف الحاضر يستقوي العاطفة من الذاكرة لتنبت على شكل قصيدة بين وجع التذكر/ الحنين، ومسافات النسيان جلد القصيد يخبئ انكسارات ذاتها وخيباتها وأوجاع الاغتراب، الاغتراب ليس في مفهومه الضيق من تغيّر للمكان، بقدر ما يعني ذلك الشعور العميق الذي يسكن ذات الإنسان ويحدّ من انتمائه.

انكسارات الإنسان تحضر على هيئة وطن يسمى العراق، لنلمس الوجع الخفي للشاعرة وهي تستذكر مدنه ورائحته وحتى الموتى الذين يقفزون أثناء نومها للحياة. بين هنا وهناك تسير منال الشيخ بقارئها في حقول الشعر تصدمه أحيانا بصورها الشعرية الساحرة وتوجعه أحيانا، تزرعه قلب الألم ودون اقتراف للتفاصيل حيث تتعمد الشاعرة ترك أبواب الاحتمالات مفتوحة تفرغ الوجع بأناقة الشعر.

جرح وقلق

الحب عند الشاعرة يقابل الموت، وكأنهما وجهان يتقابلان على طاولة الشعر بذات الخلق، هكذا تطالعنا العاطفة من بين جماد الكلمات، لتنفخ الرماد عن جمرة المعنى

في كل ديوان جديد لمنال الشيخ، هناك ما يفسر رغبة الشاعرة للخروج بنص ذي صيرورة ومقاربة مختلفتين. هي تريد من خلال نصوصها القصيرة زعزعة القارئ وأن تترك في ذاته ما يشبه الهزة الشعرية، بحيث تخطف أنفاس قـارئهـا، وإن سمعناها في كثير من الأحيان بصـوت خـافت، إلا أن صوتها الشعريّ يعلو حين تقول “كم مرة علينا أن نفتحك يا جرح/ لنتأكد من صلاحية دمنا؟”. فالجراح مفتوحة وتأبى الالتئام وهذا نتيجة الأوجاع التي تشعر بها الشاعرة، وهي تعيش بعيدا عن وطن ممزق.

القلق سمة واعية لدى منال الشيخ، يبني قصيدته بإدراك تامّ لماهية الشعر ولما يحيط به، وليس على الشاعرة إلا أن تطلق “بعد ثلاث حروب شهدتُها/ بعد ألف رصاصة ورصاصة عبـرت فـوق رأسي/ وأخطـأت أحـلامي/ بعـد سبـع ندوب تـركها مشرط الطبيب/ على جسدي/ وغيابك/ سأموت ميتة حقيرة/ كـأني تصدمني سيارة موظف ملتزم/ في شوارع النرويج النظامية”.

ثمّة قلق يلد هشاشة رطبة وحزينة تجعل قصائد الشاعرة شفافة تقتنص اللحظة الشعرية مختزلة اللغة ومكثفة الدلالة، تخفي أكثر مما تصرّح به، ورغم ذاتيتها الظاهرة إلا أنها ذاتية تأتي على شكل الجمع.

الشاعرة هي الأنثى، وهي الأخريات أيضا، وهي المغتربة من وطن عانى ويعاني الكثير، وهي كذلك الآخر الذي يشبهها في اغترابها وقلقها وهشاشتها، منـال الشيخ ومن خلال ذاتها كأنثى وعراقية وإنسانة وشاعرة تنتصر للآخر شعرا، وتدوّن ذاتها جمعا.

14