وظل التونسيون يلوحون بأياديهم..

الأربعاء 2014/01/15

لم أكن ثوريّا بالقدر الكافي لأخرج ذات يناير من 2011 ملوحا بيدي، كانت أمّي عشيّتها تطبخ شايا أخضر في نقطة من الجنوب التّونسيّ وكنت إلى جوارها أنتظر الطّبخة الثّانية، علاقتي متوتّرة بالطّبخات الأول، فكّرت قبل يومين أن أشدّ الرّحيل إلى العاصمة، ولكنّ صروفا حالت دوني والعزم، أنصاف الثّوريّين مثلي عادة ما تنشغل أياديهم بمهمّات أقلّ درجة من فعل التّلويح، كنت مشغولا بكتابة نصوص حزينة، لم أكن في حاجة إلى قارئ، القرّاء جميعهم كانوا أيّامها مشغولين بتلويح أياديهم.

حين لوّح التّونسيّون بأياديهم كان الوقت كافيا ليجهّز الرّئيس حقيبته الأخيرة، لم يكن الرّئيس مغرما بكتابة يوميّاته كانت يده منذ 23 عاما مشغولة بسرقة الأحلام يودعها حساباته البنكيّة في فرنسا وسويسرا وفي المرّيخ متى لزم الأمر، كان الوقت كافيا ليغلق حاسوبه وليغيّر كلمة السّرّ خشية اختراق، وربّما صلّى ركعتين، كان الوقت كافيا ليستخير الله، السّماء الواسعة والعريضة لم تخيّب حاجة في نفسه، لمّع حذاءه ومشى بخطى متّئدة إلى مدرج الطّائرة، وهو يركبها فكّر أن يلقي نظرة أخيرة. الرّئيس الّذي تتوجّه طائرته إلى السّعوديّة كان يطلّ برأسه حاول إحصاء الأيادي الّتي تلوّح، ولكنّه كان يفشل في كلّ مرّة، لوّح بيديه هو أيضا، ثمّ انشغل بقراءة عناوين الجرائد، أجرى أكثر من اتّصال هاتفيّ وكان في أواخر كلّ مكالمة يلوّح بيديه.

وأمّا التّونسيّون فقد ظلّوا بعده يلوّحون بأياديهم، الشّعراء اللّذين كتبوا قصائد عشيّتها اكتشفوا أنّ خللا عروضيّا تلبّس بالوزن مازالوا منذ يناير 2011 يحاولون تعديله ولكنّهم فشلوا في إصابة ما ابتغوا، مازالت الطّبخة الثّانيّة لم تجهز بعد ولم أستطع أنا أيضا منذ يناير 2011، أن أفسّر ابتسامة تعلو قسمات أمّي، كان الدّفء المتسرّب من الكانون يغني يديّا عن التّلويح وعن فشلي في تفسير ابتسامة أمّي.

لم يكفّ التّونسيّون عن التّلويح بأياديهم حصل الأمر مع الحكومة الثّانية، وتحوّل الفعل إلى عادة تونسيّة تفنّن الفوتوغرافيّون في التقاطها، ولكنّ آثار التّصفيق ظلّت عالقة بخطوط الأيدي، ذات يناير 2013، انشقّت أياد اجتذبها الحنين إلى قيعانه لم تعد مصابة بقدر التّلويح، وعليه أصبحت الأيادي التّونسيّة على حالين مصفّقة استبدّ بها الحنين، وملوّحة لا تلوي على شيء، حين اغتالوا بلعيد صفّقت أياد ولوّحت أخرى، حصل الأمر نفسه حين اغتالوا الابراهمي، وتكرّر وقوعه في رمضانيّات باردو.

إنّها ثورة الأيادي بين مصفّقة وملوّحة وهذا كلّ ما في الأمر، السّارق لم تقطع يده، وأمّا أنا فلم أكن ثوريّا بما يكفي لألوّح بيدي ولم أكن ثوريّا بما يكفي لأتقن التّصفيق، في هذا الصّقيع الإسلامويّ تحنّ يديّا إلى طبخة ثانية في كانون أمّي، وإلى كتابة نصوص حزينة، إنّه الرّابع عشر من يناير 2014، ولم يعد القرّاء بعد، لم يعد الشّهداء، سأخرج عشيّة اليوم ملوّحا بعقلي.


كاتب تونسي

9