وعدتني أن تعود

الأربعاء 2015/11/11
جهاد هديب: ولد في عام هزيمة حزيران وغادر في زمن الثورات

حبيبي جهاد، يطلبون مني أن أختصرك في كلمات، أحاول أن أحدثهم عن اصطكاك أسناننا من البرد ونحن نرتجف.

لاشيء يستر أجسادنا الهزيلة التي لم تستيقظ من صدمة اللجوء ونحن نجوب أزقة المخيم، لكن الكلمات تتفلت من بين أصابعي، وكأنها تبصق في وجهي.

أعود إلى لملمة نفسي وأحاول أن أحدثهم عن الشاب الذي بلغ السادسة والعشرين، ثم قفز ليعلن في وجوهنا، ونحن في بيت أحمد العامري، أنه لم يقبّل فتاة حتى اللحظة، ويعلّق على ضحكاتنا ويتندّر من الأمر.

لكن الكلمات تفرّ ثانية، فمثلك لا يختصر، ليس حزنا يا حبيبي، بل إنه القهر، قهر فقدك وعدم قدرتي على رؤيتك مفردة هنا أو هناك.

ما زلت أذكر يوم فقدنا جهاد بركات عندما قضينا ليلة كاملة في زنزانة واحدة، وجسدك الهش ينتفض من البرد وقد ألصقنا ظهورنا بعضها ببعض لنكون أكثر دفئا، ونحن نخفي دمعنا الحزين يومها على جهاد بركات، رفيقنا الذي يبدو أنك استعجلت لقاءه.

من يوميات المستشفى
إنها السابعة مساء الأربعاء الآن. رقدت على سرير المستشفى منذ لحظات. لست وحدي في الغرفة ذاتها التي أنزلني بها التمريض، بل ثمة رجل لم أره حتى الآن، لكن يتناهى صوته إليّ ثقيلا ومتحشرجا رغم ما على أذني من ضغط مبرّح أنهكهما، ولم تعودا صالحتان كما هي الأذنان لدى سائر البشر.هذا اليوم كنت صحوت منذ الثالثة فجرا أو يزيد قليلا. كان فمي ممتلئا بدم سبّبته الجروح والتقرحات في الحنجرة والبلعوم. كان نزيفا استمر حتى التاسعة، لم أتوقف خلال تلك الساعات عن السعال ولا عن التجديف فيما خيط الدم هو الذي لا ينقطع. توقف نزيف الدم بعد التاسعة لساعة أو ساعتين ثم عاد العذاب مرة أخرى، وكلما حاولت أن أنسى أن أبتلع ريقي أجدني قد ابتلعته سهوا. ما إن جاءت الظهيرة حتى كنت قد أُنهِكْتْ تماما، ولم تعد بي حيلة أبدا، بل ثمة إسهال أصابني أيضا فجأة. ما الذي يحدث؟ لماذا كل هذا العذاب لهذا اليوم بالذات الذي سأدخل فيه ثانية إلى المستشفى؟باختصار، ربما أكون خائفا من أمر ما. لا أنا خائف بالتأكيد. إذن ممَّ أخاف الآن؟

جهاد هديب

ماذا سنحدثهم يا حبيبي، فبعضهم لا يراك أكثر من جملة لازمة، لكنه لا يدرك أنك أكثر منه رسوخا في الحرف وفي ذاكرة المشهد الحقيقي والإنساني، أأحدثهم عن تلك الجبال التي رزحت فوق أكتافنا لتحيلنا إلى فراغ، فحملنا معاول أحلامنا وأقسمنا أن نتجاوزها؟

يومها كنا في الساحة الهاشمية حين سألتني فجأة، وكنت ما زلت في جريدة الدستور.

“سأتركهم وأسافر هناك، جاءني عرض قد لا يكون جيدا، لكنه يشكّل بداية لأحفر طريقا جديدا، وأنت ماذا ستفعل؟”
، قلت “سأنشئ دارا للنشر، إنها حلمي”.

تحدثنا كثيرا ثم انطلقت بنا أحلامنا ولم نكن نملك لها أجنحة كي تكون، لكننا لم نتردد في القفز عن رأس الجبل، أسرارنا ليست مفردات نقولها يا حبيبي، إنها نحن، أنا وأنت وبلال الملاح وعماد أبوحشيش وأحمد العامري الذين أعرف أنهم ينزفونك وينتظرون عودتك وعودة جهاد بركات.

مازال مكتبي دافئا بنومك الطفلي وسهراتنا المنفردة عن الجميع قبيل ذهابك للعلاج، وأنت تصر على أن تهزمه وأنا أصرّ عليك ألاّ تذهب، لكنك وعدتني أن تعود، وأنت لم تخلف وعدك يوما، سأنتظرك، ولهذا سأخفي كل التفاصيل حتى نقولها معا.
15