وعدت يا رمضان

هذا الشهر صار مادة "دسمة" للترويج للثلاثي الشهير.. المسلسلات/ إعلانات التسول بحجة عمل الخير/ وأخيرا برامج دعوية لمن يعتبرون أنفسهم "دعاة".
الأربعاء 2018/05/16
كل استقبالاتنا للشهر الفضيل، لا تخرج عن تحويله من "صوم وعبادة" إلى مائدة كبيرة تشبع نهم البطون

هكذا أقنع الأولاد أمهم الست “زينب” في مسرحية “العيال كبرت” كمحاولة لاجتذاب قلب زوجها “رمضان السكري” الذي كان يلتف حول امرأة أخرى.

وبين مشاهد ضحكات الجمهور في صالة العرض قبل أكثر من ثلاثة عقود، كان علينا نحن الجماهير “الغفورة” بتعبير الفنان الكبير دريد لحّام في إحدى مسرحياته، أن ننتظر “رمضان” آخر، وهو الشهر الكريم، والذي يهل علينا بعد ساعات، بنوع آخر من الضحك، ولكنه “ضحكٌ كالبكا”، كما وصفه عمُّنا الأسطوري.. “المتنبي” في إحدى قصائده!

المصيبة أن كل استقبالاتنا الماضية والمستقبلية للشهر الفضيل، لا تخرج عن تحويله من “صوم وعبادة” إلى مائدة كبيرة تشبع نهم البطون، وتجعله شهر استهلاك غير مسبوق لكل ما لذَّ وطاب من أنواع الطعام، نشكو بعدها التخمة تعويضا عن صوم يوم طويل أو قصير، كلٌّ حسب توقيته.

ليس هذا فقط، بل إن هذا الشهر صار مادة “دسمة” للترويج للثلاثي الشهير.. المسلسلات/ إعلانات التسول بحجة عمل الخير/ وأخيرا برامج دعوية لمن يعتبرون أنفسهم “دعاة” وهي وظيفة جديدة وطارئة أصبحت ترادف لقب “إعلامي” لتكون مهنة من لا مهنة له خاصة في رمضان، وبأسلوب ومظهر عصري جدا.

لا تحفّظَ لدي إطلاقا، باعتبار كل ذلك من قبيل الحالة الطارئة المعتادة في “مولد سي رمضان”، ولكن ما يفزع حقا أن يتمَّ بحجة “الدعوة الحسنة” والبحث عن منابر مستهلكة، استدعاء بعض النماذج التي تلوثت واتهمت بالإرهاب أو بالانتماء لجماعات متطرفة “الإخوان”، مثل المطرب فضل شاكر ليغني مقدمة “تتر” مسلسل، أو عمرو خالد ليقدم دعوته “الملتبسة”، وغيرهما، للمشاركة في هذا المولد ولو عبر قوته الناعمة والخطيرة، وكأن مجتمعاتنا عقمت عن إنجاب نماذج “غير ملوثة” فكرا أو انتماء أو تعاطفا مع مجمل أفكار وميليشيات التضليل، مهما كانت جماهيريتها.

هذا بالضبط، هو إعادة استنساخ كائنات التطرف والإرهاب، لتزحف كالأفعى داخل بيوتنا، ما ينتج السؤال المرير: هل نحن فعلا نكافح إرهابا وتطرفا، أم نكتفي بمواجهة إرهابيين ومتطرفين؟

للأسف، مازلنا نتعامل بالخيار الأخير، ولا ندرك أن المنظومة متكاملة، ومصيبتنا أننا لا نتعظ من تجارب الآخرين، وعليناـ إذا كنا جادين ـ أن نتعامل مع التطرف والتكفير مثلما تتعامل أوروبا والعالم مع النازية، كفكرة قبل أن تكون ممارسة وانتماء.

وإلى أن يحدث ذلك، فلننتظر برنامج آية الله العظمى أيمن الظواهري عن “فضل الإرهاب في النجاة من العذاب” ونستمتع ـ بالمرّة ـ بحلقات مولانا أبومصعب الزرقاوي عن “الربُّ في التدبير، والعبدُ في التفجير”.

متابعة سعيدة.. عمتم مساء!

24