وعود جديدة بإنقاذ إمبراطورية المنشآت الحكومية العراقية

رغم الخطط والشعارات الكثيرة التي أعلنتها الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 14 عاما لإعادة الحياة إلى أكثر من 30 ألف منشأة حكومية، إلا أنها لا تزال غارقة في الإهمال والشلل والفساد وهي ترهق الموازنة بدفع رواتب جيوش من البطالة المقنعة.
الأربعاء 2017/11/22
مصانع نائمة منذ 14 عاما

بغداد - عبرت الأوساط الاقتصادية العراقية عن يأسها من إمكانية نجاح الوعود الحكومية الجديدة بإنقاذ إمبراطورية الشركات الحكومية المعطلة منذ عام 2003 وأكدت أن الفساد لن يكون بعيدا عن خطط خصخصتها لسرقة أصولها وخاصة الأراضي الواسعة المقامة عليها.

وتعكف الحكومة في الوقت الحالي على دراسة كيفية إعادة إحياء نشاط أكثر من 30 ألف منشأة حكومية لا تمارس معظمها أي نشاط رغم أن سجلاتها تضم نحو 750 ألف موظف ترهق رواتبهم الحكومة بمبالغ طائلة دون إنتاج يذكر.

ويحمل الشارع العراقي والخبراء الحكومات المتعاقبة مسؤولية الانهيار الشامل الذي تعاني منه الشركات الحكومية بسبب الفساد والإهمال وهم لا يعولون كثيرا على إمكانية إنقاذها بسبب ضعف كفاءة المسؤولين الحكوميين.

وتشير مسودة موازنة السنة المالية المقبلة إلى أن الحكومة تخطط لإيجاد شراكة بين القطاعين العام والخاص لإعادة الحياة إلى تلك المنشآت المعطلة منذ عام 2003.

2 بالمئة فقط حجم مساهمة القطاع الصناعي في العراق حاليا مقارنة بنحو 10 بالمئة قبل عام 2003

لكن المحللين يخشون من جولة جديدة من الفساد في عملية الخصخصة لسرقة أصول تلك المنشآت بثمن بخس من قبل واجهات خفية للأوساط السياسية المتنفذة.

وتقول الحكومة إنها تأمل بأن يؤدي دخول المستثمرين في نشاط تلك الشركات إلى تحين كفاءة تشغيلها وإعادتها إلى الربحية وزيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي لإخراج البلاد من حالة الشلل الاقتصادي.

وتشير التقديرات إلى أن مساهمة القطاع الصناعي الذي كان ينافس أفضل المنتجات العالمية في القرن الماضي تراجعت إلى نحو 2 بالمئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي بعد أن كانت تبلغ نحو 10 بالمئة قبل عام 2003 رغم وطأة الحصار الدولي في ذلك الحين.

ويعاني الاقتصاد العراقي بشكل عام من الشلل التام بعد 14 عاما من سوء الإدارة. وأصبحت الموازنة تعاني من الإدمان المفرط على عوائد صادرات النفط في تلبية حاجات البلاد من السلع والخدمات المستوردة من الخارج.

وتعرضت المنشآت الصناعية في أعقاب الغزو الأميركي في عام 2003 إلى تدمير كامل حيث تم نهب وتهريب معداتها وبيعها في أسواق الخردة في الدول المجاورة وخاصة إيران.

وساهمت عوامل كثيرة في تدهور الصناعة أبرزها تولي مناصب المسؤولية من قبل شخصيات لا تتسم بالكفاءة بسبب المحاصصة الطائفية وتشجيع الطبقات السياسية على الاعتماد على الاستيراد لتمرير صفقات الفساد.

عامر الجواهري: غياب الإرادة السياسية عقبة ثقيلة أمام عودة نشاط المصانع العراقية

واعتمدت الحكومة خلال فترة طفرة أسعار النفط في عهد رئيس الوزراء السابق سياسة الباب المفتوح على صعيد التجارة الخارجية وبددت عوائد البلاد النفطية في إغراق السوق المحلية بالسلع من مختلف دول العالم لا سيما البضائع المهربة مجهولة المنشأ.

وساهمت سياسة إغراق السوق بالسلع الأجنبية في تعميق أزمات الإنتاج المحلي وازدهار عمليات غسيل الأموال وتهريبها واستنزاف العملة الصعبة، ما أدى إلى سقوط البلاد في أزمة اقتصادية خانقة بعد انحدار أسعار النفط منذ منتصف عام 2014.

ورغم الخطط الحكومية المتكررة بشأن محاربة الفساد لم تشهد البلاد منذ سنوات طويلة أي خطوات عملية لمحاسبة الفاسدين والمتورطين في استمرار شلل الاقتصاد العراقي بسبب ارتباطهم بالطبقات السياسية المتنفذة.

وفي ظل غياب الشفافية والبيانات الرسمية تشير التقديرات إلى أن الأغلبية الساحقة من المنشآت الحكومية لا تزال متوقفة عن العمل في وقت تضخم فيه عدد العاملين الوهميين فيها لتنفيس الاحتقان الشعبي لأن الدولة أصبحت المصدر شبه الوحيد لتوظيف جيوش العاطلين عن العمل.

وتشير التصريحات الرسمية إلى أن الحكومة تدفع رواتب لنحو 7 ملايين شخص، وأن فاتورة ذلك تفوق جميع إيرادات الموازنة.

ولم تقتصر الأضرار على المنشآت الحكومية بل شملت أيضا شركات القطاع الخاص، التي عمتها الفوضى بسبب غياب أجهزة الرقابة ومعايير السيطرة النوعية.

وأدى دمار تلك المنشآت إلى خسارة الدولة لمليارات الدولارات في السنوات الماضية، فضلا عن استفحال معدلات البطالة وتراجع التنمية وغيرها من المضاعفات التي دمرت اقتصاد البلاد.

وترتبط معظم الأنشطة الصناعية حاليا بصناعة النفط حيث أن عمليات تكرير الخام وصناعة الأسمدة والصناعات الكيمياوية تعتبر من الصناعات الرئيسية في البلاد.

ونسبت صحيفة المدى المحلية إلى الخبير الاقتصادي العراقي عامر الجواهري تأكيده ضرورة عدم الاكتفاء بالحديث والتنظير دون التحرك بشكل فعلي، وطالب الحكومة باتخاذ إجراءات سريعة لتشغيل المصانع بشكل تدريجي على أمل إعادتها إلى العمل بعد سنوات.

وقال إن “غياب الإرادة السياسية لا يزال يمثل عقبة ثقيلة” لانقاذ الصناعة. وأشار إلى أن مجلس التنسيق الصناعي برئاسة وزير الصناعة تم تشكليه للنظر في مشكلة تراجع الصناعة وإيجاد الحلول، لكنه لا يزال مشلولا في وقت يفترض فيه أن يكون في حالة انعقاد دائم”.

ويرى خبراء أن عملية الإصلاح الاقتصادي برمتها تحولت في العراق إلى شعارات لأن معظم من يمارسون السياسة لا يعرفون كيف تتم هذه العملية.

ويواجه المستثمرون عراقيل كثيرة أهمها البيروقراطية واستمرار التعامل بقوانين قديمة تحتاج إلى مراجعة وإصلاحات جذرية لمنح رجال الأعمال ضمانات لتوطين الصناعة مجددا.

11