وعود لا تلبى

الأحد 2017/09/03

كأنما أخلَت الراقصات مواضعهن على مسرح الحياة العربية العامة، وتوارت عن الأنظار، لأن بحرَ الأحداث عالي الموج. فلم تعد أيٌ منهن تحظى بأي اهتمام. فلا حكايات جديدة عن راقصة وسياسي، مثلما كتب إحسان عبدالقدوس، ولا عن الراقصة والطبّال، في رواية أخرى للكاتب نفسه، جعلت الأولى تستنزف الثاني الذي ساعدها على تحريك أجزائها مع إيقاع الدق، ولما تبدت مميزة لجمهور الهانئين، بل صاعدة كالصاروخ في زمن الانفتاح؛ تركت طبالها عند منصة الإطلاق التي لم تعد تلزم المقذوف، فارتمى المسكين على قارعة الطريق، وقد شوّهت وجهه لكمات الساهرين!

كان المفكر الراحل إدوارد سعيد قد خصّص جزءا من كتابه “تأملات حول المنفى” للراقصة تحية كاريوكا. هي واحدة من راقصات كُثر، حضرن في دهاليز السياسة على مرّ عهود ثلاثة. فـ”تحية” رقصت في عرس الملك فاروق، الذي استقبلته حشود جماعة “الإخوان” في مطار “الماظة” عندما عاد من لندن لكي يرث عرش أبيه، وأنشدت له ووصفته بـ”أمير المؤمنين” لكن الغلبة كانت لوصف كاريوكا له، كـ”أمير للشباب”. فقد كان صديقها، والخيل أعرف من فرسانها!

إدوارد سعيد، طويل الباع في تأمل الظواهر الاجتماعية والتاريخية وفي وصف الجماليات؛ قال في “تحية” ما لا يستطيع التقاطه الجاهلون بالخصائص النفسية للأنثى. ركّز على نقاط ثلاث، إحداها تتطابق مع رأي كان سائدا في أوساطنا الشعبية، كلما جيء على ذِكر الراقصات الغجريات اللاتي كُن يُحيين الأفراح: صحيح أن الغجرية تتثنى وتبتسم، لكن الصحيح أيضا أن أعتى الغُزاة، لن ينال منها قُلامة ظِفر.

في هذه النقطة، يُسلط إدوارد الضوء على طريقة “كاريوكا” في التصرف مع طالبي وصالها. يقول -والعُهدة على الراوي- إنها اتخذت لنفسها منطقة وسطى، لا معنى لها، بين الرضا والمجاهرة الصريحة بالتمنّع، وهذا يُسمى بالإنكليزية “الإرجاء” Deferal، أي أنها تُقابل كل ذي إشارة شهوانية بابتسامة خاطفة خفيفة واعدة تنم عن كونها متاحة، ولكن ليس الآن، فلا يستعجل. هو وعدٌ بالتلميح لا يُلبى. وأغلب الظن أن “تحية” لم تُتَح كما يقول العارفون، اللهم إلا بموجب ثلاث عشرة زيجة، منها واحدة من يهودي أشهر إسلامه على قرع الطبول!

في زمننا هذا، أخلت الراقصات مواضعهن على مسرح الحياة العامة، وانقطع نسغ السياسي المحترف، ليشق رجل الأمن المحترف طريق السياسة!

خسر الطبال رزقه وافترش الأرض، وجفت أمنياته وتشوَّه وجهه، وصعدت "كاريوكا" من جديد لتنثر ابتسامات الإرجاء، وعودا لا تُلبى!

24