وعود وزارة الثقافة السعودية تشبه الغيوم التي لا تمطر

فضاءات الميديا الحديثة أسهمت كثيرا في تحرير الوعي والحبر الناضج من هيمنة حراس البوابات والسجانين القدامى.
الجمعة 2019/10/18
حين يتحرر أدب المرأة من العنصرية سيحقق وجوده

تتابع “العرب” المتغيرات التي تشهدها المملكة العربية السعودية منذ انطلاق رؤيتها 2030، حيث شهدت تغيرات جذرية متعلقة بالحوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي شكّلت بناءها الحديث. من هنا، تحرص “العرب” على إعطاء قرائها صورة بانورامية للمشهد الثقافي من خلال حواراتها المستمرة مع النخبة الثقافية الحريصة على تفكيك النسق وإعادة بنائه وفق منظورها الجديد. صحيفة “العرب” تتحاور مع الكاتب السعودي محمد الراشدي حول التحولات الوطنية والاستراتيجيات الثقافية على مستوى الفرد والمؤسسات في المملكة.

 يرى القاص والكاتب السعودي محمد الراشدي أنه من المبكر جداً الحديث عن أثر حقيقي أو فاعل لثورات الربيع العربي في الثقافة العربية؛ فالربيع -حسب رأيه- تخلّق فيما يشبه المخاتلة التاريخية، وهو مرتطم بميراث قرون من التسلط والاستبداد واهتراء العدالة، ولم يكمل عشريته الأولى بعد، وهي فترة ضئيلة جدا قياسا بأعمار الثورات الكبرى التي غيرت واجهة الدنيا.

يقول الراشدي “بالنظر إلى العمر القصير حتى اللحظة للربيع العربي، والظرف المرتبك الذي انطلقت فيه هتافاته، والميراث الثقيل الذي يجابهه في ساحات نضاله المتعددة: سياسيا، واجتماعيا، وثقافيا، والعتاد المروع من القمع الذي يترصده لدى الكامنين له بالعدوة القصوى من المشهد، ممن تقشعر عروشهم لذكر الحرية؛ فإن الطريق ما زال طويلا، وحديثنا عن أثر ما لذلك الهياج الجماهيري في الثقافة وتكويناتها يبدو ضربا من التفكير الرغبوي الذي لا يركن إلى واقع بقدر ركونه إلى الحلم”.

الأدب السعودي

جنس إبداعي رائع
جنس إبداعي رائع

إثر سؤال عن قدرة الكاتب السعودي على أن يوجد له سقفاً يستطيع أن يحلّق في فضائه، ويعالج قضاياه في أفقه في ظل هيمنة الرقيب عليه، يجيب محمد الراشدي “لكي أتحدث بوضوح حول الرقيب في صحافتنا العربية عموما، والمحلية منها على وجه الخصوص، أحتاج أن أستحضر نبرة الراحل عبدالحليم حافظ، وهو يردد بحزن باذخ ‘أنا ليّه معاه حكايات.. حكايات.. حكايات‘، وليس في تلك الحكايات ما يبهج بطبيعة الحال، إذ الرقيب في صحافتنا حالة من حالات الوسواس القهري الذي لا يمكن له أن يثبت حقيقة أو منطقية ما يطرأ عليه ويتوجسه أو يتوهمه، لكنك في الوقت ذاته لا تستطيع أن تتخلص من إلحاحه وتدخلاته السمجة التي تحملك على أن تزهد في ذلك النوع من الكتابة المحفوف بكل موسوس وخائف وصاحب هوى أو مصلحة”.

ويتابع في الشأن نفسه “المؤسف أن بعض أولئك السدنة يكون في الأصل مثقفا يتفاصح على الدوام بمفاهيم الحرية والتنوع والكتابة الجادة، حتى إذا أقيم مقام الرقيب استحال موظف علاقات عامة ممعنا في تكريس تكلس الوعي، يعيد إنتاج هوامش الحرية وفق مزاجه الشخصي، وبمقاسات مصالحه وعلاقاته وفهمه الضيق. أما الكاتب في السعودية فهو كغيره من الكتاب في أي بقعة من العالم يحسن اجتراح آفاقه وعوالمه، خاصة وأن فضاءات الميديا الحديثة أسهمت كثيرا في تحرير الوعي والحبر الناضج من هيمنة حراس البوابات والسجانين القدامى”.

وبوصف الراشدي قاصاً وناقداً وقارئاً متابعاً يضيف عن قراءته للمشهد القصصي السعودي “أحضر في المشهد القصصي السعودي قارئاً للكثير مما يقدم فيه من نتاج سردي، وكاتباً صدرت لي مجموعتان قصصيتان والثالثة تتأهب، وناقداً من خلال بعض ما أقدمه من أوراق وقراءات لذلك المشهد؛ ومن خلال هذه الزوايا الثلاث أستطيع القول إن المشهد القصصي الحالي في السعودية يحيل على ذلك العنوان المعبر جداً لأميل حبيبي في روايته الشهيرة ‘المتشائل‘؛ إذ المشهد أقرب إلى تلك الحالة الوسطى بين سخاء التفاؤل، وجدب التشاؤم”.

ويتابع الراشدي “فالقصة في السعودية ومنذ منتصف التسعينات الميلادية من القرن الماضي تشهد حالة من الوفرة الكمية لدى العديد من كتابها وحجم المنجز، مع تراجع كبير وانحسار صادم في القيمة الفنية لذلك النتاج، بعد أن تحولت الكتابة القصصية في بعض أشكالها وتجلياتها إلى حالة من ‘رَجَز‘ الكتابة السردية، يرتجز فيه الكثير ممن لا يحسنون التعاطي مع هذا الجنس الإبداعي الرائع، ولا يملكون أدواته ومقوماته الفنية. لينتهي الأمر إلى ما يشبه لحية برنارد شو ‘غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع‘. إلا أن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى بزوغ عدد قليل من الأقلام المبدعة التي تنجز سردا قصصيا فاتنا وفق رؤى فلسفية وإبداعية متقدمة، هي النافع الذي سيبقى بعد انحسار الغثاء”.

وبعد أن سُئل عن رأيه في مقولات الأدب النسوي، من أدب المرأة في السعودية، ومن الحركة التي تشارك فيها المرأة؟ وما الذي طرأ على أدب المرأة من التحولات التي تشهدها البلاد العربية عموما والمملكة على وجه الخصوص؟ يجيب الراشدي “تكمن إشكالية الأدب النسوي في ذلك الفصل العنصري الذي يقيمه بعض منظريه بين الذات الأنثوية ومحيطها الإنساني، ومع تسليمنا التام بأن الأنثى كيان مستقل له مواجده ومواجعه وقضاياه وإشكالاته ورؤيته للعالم التي تتشكل وفق روافد شتى في مقدمتها الهوية الجندرية للأنثى، إلا أن ذلك لا يكون بمعزل عن التفاعل الدائم مع الفضاء الإنساني العام بمختلف تكويناته، ومن هنا فالأدب النسوي -وفق هذا التصور- ينهض على ساق واحدة يحاول بها الهرولة في مضمار شاسع، وحين يتحرر أدب المرأة من ذلك المنزع العنصري يكون بوسعه تحقيق وجوده المختلف باعتباره ركنا رئيسا في خطاب ثقافي شامل”.

الوعود الجميلة

الوعود الجميلة
الوعود الجميلة 

امتدّ حديثنا ليصل إلى تيار الصحوة في السعودية وأثره على المفاصل الثقافية والاجتماعية والسياسية.

يقول الراشدي “في سياقها الوجودي، جاءت الصحوة باعتبارها حلقة تاريخية بين حلقات سابقة لها، وأخرى لاحقة لها. وهذه الحلقة من التاريخ تشكلت وفق معطياتها الثقافية والاجتماعية والسياسية. ومن يقرأ تلك المرحلة وفق سياقها التاريخي يدرك لا محالة أنها إفراز حتمي لكل الظروف والملابسات التي تقدمتها في حقب من التاريخ سابقة؛ فالصحوة وريثة الراية التي حملتها من قبل القومية العربية في إطار محاولات استعادة الذات والكرامة العربية منذ نهاية عهد الاستعمار، مروراً بصخب الشعارات التي أخمدتها النكسة لاحقاً، لتبرز الصحوة الإسلامية باعتبارها طورا جديدا في إطار البحث عن الحل”.

ويضيف “عندما نتحدث عن تيار الصحوة في خصوصيته المحلية ينبغي ألا نغفل الفاعل السياسي ودوره في التمكين للصحوة خلال أكثر من أربعة عقود مضت وفق حسابات معقدة ليس هنا مقام التفصيل فيها. وعليه فإن أي أثر للصحوة على الفنون سلبا أو إيجابا هو في نهاية الأمر أثر مرتبط بالفاعل السياسي، بدليل أن إنهاء الصحوة على صعيد الوجود والفعالية الرسمية كان أيضا قرارا رسميا”.

ويتابع الراشدي “أما على صعيد البقاء والارتدادات فإن من البديهي أن تيارا شكل واجهة الحياة طوال أربعين عاما مضت لا يمكن أن نتحدث عن وأده وإقصائه من مشهد الحياة خلال عام أو عامين، إلا أن السؤال الذي يبرز الآن وبإلحاح فادح: هل ستشهد الفنون والإبداعات طفرة نوعية لمجرد انحسار الصحوة؟ وإذا لم يكن؛ فهل كانت الصحوة العائق الوحيد، خاصة أن أنضج التجارب الإبداعية تكونت وبرزت في حقبة الثمانينات والتسعينات الميلادية التي هي أوج المد الصحوي وقوته؟!”.

وعن استشرافه ومرئياته لوعود وزارة الثقافة ولحزمة المبادرات التي أعلنت عنها مؤخراً، يقول الراشدي مختتماً الحوار “كثير من المبادرات، كثير من الوعود، كثير من المرئيات، كثير من الغيم في سماء الثقافة في عهدها الجديد؛ لكن احتمالات المطر عندي تساوي احتمالات الجفاف، وقد أكون متشائما، لكن عندي ما يبرر تشاؤمي والتفاؤل معا. فالوزارة أعلنت منذ أشهر عن رؤية طموحة وشاملة ومحققة لكثير من آمال المثقف في صورتها النظرية، وأعقبت ذلك بجملة من المبادرات التي تبعث على الراحة والتفاؤل. لكن ذلك كله ما زال غيبا في إطار الوعود والتوقعات، بينما الوقت لا ينتظر، وشغف المثقف لا يعذر، ولم نبصر حتى اللحظة خطوة واحدة في إطار التنفيذ والعمل رغم مرور فترة زمنية كافية لنرى على الأقل أول الحرث، وتباشير الإنجاز، ولاشيء –حتى اليوم- إلا الوعود الجميلة، وملامح شيء أقرب إلى طيب الذكر “عرقوب”!”.

15