وعي الأحاسيس في الفن

الاثنين 2015/10/12

إلى أيّ حدّ تساهم الفنون والآداب في رسم خطوط ومسارات من حياة المبدعين، والمتلقّين؟ وإلى أيّة درجة تقسّم تلك الحيوات بين الجانب الإبداعيّ والواقعيّ. أين يتقاطع الذاتي بالعام في إبداع الفنّان؟ ومتى يعي الافتراق الحاصل بينهما؟ أيّهما أشدّ تأثيراً في الفنّ؟ الأحاسيس أم وعيها؟

يعتبر البرتغالي فرناندو بيسوا (1888 – 1935) واحدا من أبرز الأدباء الذين عبّروا عن فلسفتهم الحياتية والفنية والشعرية ببساطة، أطلق آراءه في عدد من المجالات والمواضيع بأسلوب يجمع بين البساطة والتكثيف، يصل في بعض المواقف إلى درجة يتناقض فيها مع آراء سابقة له، ويجد ذلك حالة تسم كتابته، باعتبار أن الإنسان في تغير مستمر، وكذلك تكون مواقفه نتاج المتغيرات التي تفرض نفسها عليه.

في موقفه من الأدب والفن، يعتقد بيسوا أن الأدب شأنه، شأن باقي الفنون، ليس سوى اعتراف بأن الحياة لم تعد تكفي. ويجد بأن الفن بأسره، هو نوع من الأدب، لأن قوامه قول شيء ما. كما يجد أن ثمّة طريقتين للحديث: الكلام والصمت. ويضيف “من هنا، إن الفنون التي ليست أدبا، ما هي إلا انعكاس لهذا الصمت التعبيري”. ويعتبر أن الحقيقة الوحيدة في الحياة، هي الأحاسيس. أما الحقيقة الوحيدة في الفن هي وعي هذه الأحاسيس.

ويعتقد أنّ الفنّ هو التعبير المتناغم عن وعينا للأحاسيس، بمعنى آخر علينا أن نعبّر عن أحاسيسنا بشكل تستطيع معها أن تبدع شيئا يصبح للآخرين بمثابة إحساس. ويشير في أكثر من شذرة له، إلى أن الأساسي في الفن يكمن في التعبير، فما تمّ التعبير عنه لا أهمية له.

وأن الفن هو التعبير عن الذات التي تناضل كي تنجح في الوصول إلى المطلق، وأن الفن من أجل الفن، ليس في الواقع، سوى أن الفن هو من أجل الفنان نفسه. ويلفت إلى أنه لا أسوأ من فن أولئك الذين يموتون، سوى فكر أولئك الذين لم يتواجدوا مطلقا.

عن تعدد حيوات المرء، يقول بيسوا: لدينا جميعا نوعان من الحياة: حياة حقيقية، وهي تلك التي نحلم بها في طفولتنا، وتلك التي نستمر في الحلم بها، كبارا، وخلفنا أرضية من الضباب. أما الحياة الخاطئة، فهي تلك التي نتقاسمها مع الآخرين، إنها الحياة العملية، إنها الحياة المفيدة، إنها الحياة التي ننهيها في الكفن.

يتقاطع الحلم لدى الفنان بالرغبة والمسعى ليصبح مبدع أساطير، بحيث يعتقد أن ذلك هو السر الأسمى المسموح به للمهمة الإنسانية. ويصبح بذلك واعيا لحياته وأحاسيسه وفنّه معا، وناقلا لذاك الوعي إلى الآخرين بطريقته الخاصّة.

كاتب من سوريا

15