وعي سعودي جديد يناقش خسائر سنوات الصحوة

الثلاثاء 2014/04/29

لدي قناعة كاملة ومطمئنة بأن المجتمع الذي يعيش بالرجل فقط هو مجتمع أعرج، كما هو الحال لو عاش بالمرأة فقط، فالرجل والمرأة، بنفس القدر، يحركان المجتمع إلى الأمام أو إلى الخلف.

وفي حين تخلصت كثير من المجتمعات من تسلط الذكورة على الأنوثة بدواعي الفروقات الجسدية، لا تزال المجتمعات العربية، ومنها المجتمع السعودي، مربوطة بخصائص جسد المرأة، التي تصدر على أساسها الأحكام والمواقف منها ومن مشاركتها في حياة هذه المجتمعات وحركتها الإنمائية والتقدمية.

وقد بلغ ارتهان المواقف من المرأة بجسدها حدا جعل حصولها على بعض حقوقها بمثابة حياة أو موت عند من يتصدون لنيل هذه الحقوق. وغير ما نعرفه من استدعاء النصوص الدينية (الموظفة) للقتال ضد الإيجابي من هذه المسائل، يستجلب المتحمسون في معسكر تهميش المرأة الحميّة القبلية باعتبارها سلاحا آخر فتاكا في حربهم ضد معسكر المنتصرين للمرأة وحقوقهـا الطبيعيـة، كمـا حدث مؤخـرا.

مثلا في موضوع قريب، هو موضوع الرياضة البدنية في مدارس البنات في السعودية، تم اللعب على وتر الأعراض واستباحتها واعتبارها خطا أحمرا.

ووصل الحال بأحد المحسوبين على معسكر (التهميش) أن طالب باسترخاص الأرواح في سبيل منع إدخال الرياضة في مدارس البنات، بعد أن أصدر مجلس الشورى السعودي توصية تؤيد هذا الإجراء. وقبل رياضة البنات كانت موضوعات نسائية عديدة سببا لزيارات متكررة لعدد من الأشخاص للديوان الملكي السعودي أو دواوين الوزراء مطالبين بلجم ما يسمونه التغريب وما يراد بالبلاد من شرور فتنة بإخراج المرأة من بيتها أو خِدرها كما يحلو للبعض تسميته.

إذن فـ(التغريب) و(الشرور) هما شماعتا معسكر تهميش المرأة، وهما السلاح الذي يرفعه قادة وأنصار هذا المعسكر كلما هبّت بشائر سعودية جديدة تعطي المرأة حقوقها وتمكنها من فرص الحياة وتتيح تنوع هذه الفرص أمامها. والمشكلة في هاتين الشماعتين أنهما تُطرحان في كلام وخطب مرسلة لا تشتمل لا على أدلة ولا على إثباتات من أي نوع، مثلها مثل كثير من القضايا التي يجري الحديث حولها كما تجري أحاديث العوام وتهاويلهم.

التغريب الذي يستخدم، مثلا، كمصد لحق المرأة في العمل المختلط لا نعرف كنهه ولا ماهيته، إذ لا نرى أمامنا سوى فتاة التحقت بوظيفة شريفة لتكسب قوتها وقوت أسرتها، فأين هذا الشيطان الرجيم الذي يسمونه التغريب مما تفعل؟ أو أين شرور فتنة خروج الأنثى من خدرها في ذهاب فتاة للعمل من الساعة التاسعة صباحا إلى الساعة الخامسة مساء وبأجر لا يتعدى ثلاثة آلاف ريال تدفع نصفه لسائق السيارة لأنها ممنوعة من القيادة؟

وإذا طالبت بقيادة سيارتها فإن هذا هو منتهى أهداف التغريب والشر الذي لا يدانيه شر آخر، مع أن نساء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يقدن سياراتهن ويقضين حوائجهن دون أن يمسسهن الغرب بسوء ودون أن يفكر أي غربي، حتى في حدود جغرافيته، باستغلال جلوسهن خلف المقود ليصل إلى مآربه في فتن المرأة المسلمة والانحراف بها إلى جادة الخطايا أو توظيفها لتدمير مجتمعها.

وهكذا تكون دعوى التغريب المطروحة من هذا المعسكر مجرد حالة تهويش يقصد بها منع المجتمع من العبور إلى ضفاف الحقوق التي توجبها الحياة الطبيعية المعاصرة للمرأة، لأنهم لا يريدون لها أن تحقق مكاسب تعزز من جهة قيمة وأهمية حضورها وطنيا واجتماعيا، وتقلل من جهة أخرى سيطرتهم على حياتها وخياراتها.

ولأن المسائل الحقوقية الجديدة التي تطالب بها المرأة السعودية مثل قيادة السيارة، أو التي أعطيت لها مثل فتح أبواب العمل الجديدة في القطاع الخاص ورياضة البنات والابتعاث ودخول مجلس الشورى، لا يوجد فيها مانع شرعي كان لابد من اختراع عصا التغريب عليه والتلويح بالشرور الوهمية ليرهبوا صفوف مجتمع المملكة المحافظ ويقطعوا الطريق، ما أمكنهم ذلك، على هذه الإجراءات تحرزا من إجراءات أخرى منتظرة لتمكين المرأة.

وليس لدي شك بأن هذه العصا أو هذه الحيلة تتآكل حاليا على المستوى الاجتماعي في المملكة لأن الناس لم تعد تقبل الترهيب الزائف ولم تعد تقبل البقاء في مواقع ردود الفعل، فلدى الناس في المملكة الآن وعي كامل بما أفرزته سنوات ما يسمى الصحوة في بلدهم من المبالغة والمغالاة في الدين، ولديهم قناعة بأن تلك السنوات لم تتـرك أثرا إيجابيـا على أي مستوى من مستويات حياتهم.

ولذلك من الطبيعي في هذه الأيام أن تجد شخصا سعوديا عاديا يتساءل عن أسباب حصر ما يسمى الصحوة اهتمامها في مسائل المرأة ونقابها وعباءتها وتعليمها وعملها وزينتها وزواجها وهي بنت تسع سنين أو أقل أو أكثر إلى آخره من المسائل الأنثوية الكبرى والصغرى التي لا تتوقف أصواتها عن الهدير في كل الوسائل. وفي رأي كثير من السعوديين الآن، نخبويون وعاديون، أن البلد ستكون أفضل لو سلمت من سنوات تلك الصحوة وسارت على هدي من سماحة أهلها وطُهر نفوسهم ونقاء تدينهم، لأن النتيجة في نهاية الأمر أصبحت واضحة، وهي أن تلك السنوات التي غطس فيها الناس في بحر الصحوة، كانت سنوات فقد فيها المجتمع قيم الإنتاج والإبداع والعمل، وفقد، تبعا لذلك، فرص التقدم التي أتيحت له في ظل ثروة هائلة لم تتح لكثير من المجتمعات.

أمر آخر فاجأ كثيرا من السعوديين المغيبين في السنوات الأخيرة، حين وجدوا أن كثيرين ممن يحملون رايات الجهاد والتبشير في الدول الإسلامية الفاضلة، لم يكونوا يسعون إلا لمجدهم الذاتي وتحقيق غنائم الحزبية الضيقة التي انتموا إليها وعظموا من شأن قادتها على حساب أوطانهم وسلامة مجتمعاتهم، حتى لو كان الممول لأجندات هذه الحزبية خزائن غربية أو أنظمة تطبق العلمانية بشكل ظاهر وتتغنى بالمكاسب التي حققتها من ورائها.

وهو ما أسقط الكثيرين من عليائهم الاجتماعية ووضعهم قسرا تحت وطأة المحاسبة الوطنية والمجتمعية، وبالتالي قلل من شأن أطروحاتهم وأفكارهم.

لقد تهاوى الكثير إذن من أوهام تلك الحقبة الزمنية التي أُخرست فيها كثير من الأصوات وحُجّر فيها على كثير من الأفكار. وما عصا التغريب، التي يلوح بها في وجه المجتمع، سوى واحدة من ارتدادات تلك الحقبة التي تتكسر نصالها الآن بفعل الوعي الشعبي السعودي المتنامي عند طرفي المعادلة المجتمعية: المرأة والرجل.


كاتب سعودي

8