وعي مغربي بطريق التعليم الأقصر نحو الاعتدال الديني

تواصل المملكة المغربية مسيرتها الإصلاحية لنظم التعليم والتربية وهي إصلاحات تهم القطاعين العام والخاص على حد السواء. وقد وجه العاهل المغربي الأسبوع الماضي أمرا ملكيا يقضي بمراجعة مناهج وبرامج تدريس التربية الدينية في جميع المراحل التعليمية، في محاولة لاستنهاض المنظومة التربوية لتلعب دورها المحوري في بناء فكر إسلامي معتدل لدى النشء يكون درعا يحميه من الفكر المتطرف والمتشدد دينيا.
الثلاثاء 2016/02/16
صفوف متراكمة لموروثات تحتاج إلى تنقيح

الرباط- راج الفكر الإرهابي والمتطرف في السنوات الأخيرة بشكل لافت في أوساط الشباب من المجتمعات المسلمة، واتجهت العديد من الدول العربية إلى مراجعة سياساتها التعليمية وبرامج المواد الدينية التي من المفترض أن تكون حصنا يحمي شبابها من الانزلاق نحو الفكر المتطرف. ولقيت مادة التربية الدينية في المدارس الكم الأكبر من الانتقادات من الباحثين الاجتماعيين والأكاديميين، مفادها أنها لم تنجح في لعب دورها في نشر ثقافة دينية معتدلة، وأن تكوين الشباب العربي في الدين الإسلامي اتسم بالضعف من ذلك سهولة أدلجته.

هذه الانتقادات لبرامج ومناهج تعليم التربية الدينية وجهت كذلك لهذه المادة التعليمية في المغرب، وقد أصدر العاهل المغربي الملك محمد السادس الأسبوع الماضي تعليمات إلى الحكومة تنص على “ضرورة” مراجعة مناهج وبرامج تدريس التربية الدينية، في مختلف مستويات التعليم المغربي، بغرض تكريس قيم التسامح والاعتدال وحسب البيان الرسمي الصادر عن القصر الملكي، عقب اجتماع وزاري ترأسه الملك محمد السادس في مدينة العيون، حيث قدمت له “الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي 2015-2030” فإن كلا من وزيري التربية والأوقاف والشؤون الإسلامية، مدعوين “لضرورة مراجعة مناهج وبرامج مقررات تدريس التربية الدينية، سواء في المدرسة العمومية أو التعليم الخاص، أو في مؤسسات التعليم العتيق”.

وأوضح البيان أن المراجعة ستتم “في اتجاه إعطاء أهمية أكبر للتربية على القيم الإسلامية السمحة، وعلى الوسطية والاعتدال”. ويأتي هذا الأمر الملكي تجاوبا مع دعوات عديدة لإصلاح مناهج التربية الدينية في المدارس مصحوبة بتحذيرات من أن برامجها الحالية قد تؤدي إلى “نزعة نحو التطرف” و”تشجع على الإرهاب”، في بلد لديه أكثر من 1500 مقاتل في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية، وفكك أكثر من 150 خلية منذ سنة 2002. وكانت آخر هذه الدعوات رسالة صادرة عن جمعية “بيت الحكمة” التي تضم عددا من المثقفين والنشطاء، دعت فيها إلى ضرورة إنشاء “المعهد الوطني لتاريخ الديانات”، وتشجيع البحث الأكاديمي والعلمي المرتبط بالأديان المقارنة.

كما دعت الجمعية إلى “تنقيح مقررات التربية الإسلامية من كل المواد والمضامين التي من شأنها تغذية التأويلات والقراءات الخاطئة للدين الإسلامي أو للديانات الأخرى، وإعادة الاعتبار لدرس الفلسفة والعلوم الإنسانية وإيلائها العناية اللازمة بالانتصار لقيم التنوير، والعقلانية”.

عبد الله بوصوف: إصلاح التعليم الديني يجب أن يبنى على ثوابت الدين الإسلامي الوسطي

وأثار هذا الأمر الملكي نقاشات واسعة في المغرب حول البرامج التي تقدم في مادة التربية الدينية، ومدى مساهمتها في نشر الفكر المتطرف في الفضاء التعليمي. ويقول أحمد عصيد الكاتب والناشط الحقوقي المغربي في حوار تلفزيوني على قناة فرانس 24 “إن العوامل تؤدي إلى نشر ثقافة دينية تكفيرية متعددة، لكن النظام التربوي يعد عنصرا مساهما في نشر الفكر المتطرف والعنيف. لقد كانت لدينا مقررات دراسية في التربية الدينية تحث مباشرة على التمييز والكراهية بين المواطنين على أساس الدين وتستعمل العنف الرمزي وتحث عليه”. مضيفا أن “هذه المضامين كانت موجودة قبل عام 2003، ثم تم تعديلها في ما بعد، لكن بقيت بعض المضامين الأخرى من هذا النوع مستمرة إلى الآن في النظام التربوي المغربي، رغم أنها تتعارض مع روح الدين الإسلامي الوسطي المعتدل الذي يعلن في دستور البلاد، وهي لا تساهم في بناء روح المواطنة”. ومن بين هذه المضامين يذكر عصيد مثالا عن تفسير سورة الفاتحة بأن المغضوب عليهم هم اليهود وأن الضالون هم النصارى.

ورغم غياب دراسات ميدانية في الوسط التعليمي المغربي تثبت أن مناهج تدريس المواد الدينية في المغرب لها علاقة مباشرة بتغذية الفكر المتطرف، يقول عصيد إن هناك تقييمات كثيرة من المنظور القيمي أثبتت بأن هناك الكثير من المضامين التي تتنافى ليس فقط مع روح الدين الإسلامي المعتدل، بل أيضا مع التزامات الدولة ومع حقوق الإنسان من حيث عدم مراعاتها للتعايش مع الآخر المختلف؛ مثلا عند تدريس التلاميذ الصغار الغزوات الإسلامية ليست على أنها من التاريخ الإسلامي، بل تدرس كجزء من العقيدة، لذلك فإن التلميذ في المرحلة الابتدائية يفهم بأن الغزوات جزء من العقيدة، وأنه يجب أن نفرض الدين بالسيف.

وقال عبدالله بوصوف الأمين العام لمجلس الجالية المغربية المقيمة بالخارج لـ”العرب” “إن تعليمات العاهل المغربي التي توصي بضرورة مراجعة مناهج وبرامج مقررات تدريس التربية الدينية تصب في اتجاه إعطاء أهمية أكبر للتربية على القيم الإسلامية السمحة، وهي استراتيجية نعتبرها جد مهمة، على اعتبار ظاهرة” الإسلام فوبيا”.

واعتبر بوصوف أن “إصلاح التعليم الديني يجب أن يبنى على ثوابت الدين الإسلامي الوسطي، مع تعليم الأديان والثقافات الأخرى، ووضع تكوين للأساتذة في هذا المجال، كما أنه من غير الممكن تدريس الدين بمعزل عن علوم الاجتماع والاقتصاد وتاريخ الأديان، حتى نتمكن من تكوين مواطن سليم محصن يستطيع فحص جميع الإشكاليات الدينية والدنيوية المطروحة بشكل علمي وعقلاني وبحس نقدي”.

وشدد بوصوف على أن تدريس تعاليم الإسلام، يجب أن يكون وفق عمليات إصلاحية تأخذ بعين الاعتبار العلوم الإنسانية، من خلال ربط الدين بحقوق الإنسان وتدريس الأديان الأخرى، انطلاقا من مصادرها اللاهوتية، مع استحداث قسم لتدريس الظاهرة الدينية يقدم المعرفة الدينية الضرورية؛ وكذلك إنشاء وحدات متخصصة في الجامعات وكليات الشريعة والمعاهد الدينية، بالإضافة إلى اعتماد العلوم المساعدة.

17